عاجل:

الميثاقية بين الشرعية والدستورية

  • ٨٨

خاص – "إيست نيوز"

الدكتور سليم الزيبق أستاذ جامعي متقاعد - جامعة ستراسبورغ - فرنسا

منذ ان اخذت الحكومة اللبنانية قرار حصريّة السلاح بيد الدولة، بغياب الوزراء الشيعة الذين انسحبوا من الجلسة، لم تعُد الى بساط البحث إشكالية شرعية هذا القرار فحسب، وانما أيضا مسألة دستوريته، خاصة بالنسبة الى مقدمة الدستور التي تعتبر، بحسب اجتهاد المجلس الدستوري المستقر، جزءا لا يتجزأ من الدستور وتتمتع بالقوة الدستورية نفسها (انظر على سبيل المثال م. د.، 13 أيار 2014، قرار رقم 1/2014).

تنص الفقرة (ي) من مقدمة الدستور على ان " لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". تطرح هذه الفقرة مسالتين: المسألة الأولى تتمحور حول تحديد العلاقة بين مفهوم الشرعية ( légitimité) ومفهوم الدستورية constitutionnalité) (او المشروعية légalité) (بشكل عام، طالما ان الفقه يعتبر ان الدستورية هي مكون من مكونات المشروعية :

 (Cf. Louis Favoreu, Légalité et constitutionnalité, Cahier du C.C., n° 3, 1997).

 اما المسالة الثانية فتتعلق بمعرفة متى تُعتبر السلطة غير شرعية لعلة مناقضتها ميثاق العيش المشترك وما هي الوسائل القانونية المتاحة للتصدي لها؟

بالنسبة للمسالة الأولى، تجدر الإشارة الى ان البعض يستخدم غالبا مفهومي الشرعية والمشروعية او الدستورية باعتبارهما مرادفين، على الرغم من ان الفصل بينهما من شانه ان يساعدنا على التمييز، بالنسبة لسلطة ما او لقراراتها ، بين ما هو سياسي او أخلاقي وما هو قانوني او دستوري. ضمن هذا الإطار يُجمع فلاسفة الفكر السياسي على ان الشرعية هي الصفة التي تُمنح لسلطة او لقرار عندما يكون مقبولا أخلاقيا من الشعب ويتوافق مع قيمه ومبادئه حتى لو لم يكن منصوصا عليه في القانون.

 فجوهر الشرعية هو القبول الشعبي، بمعنى ان النفوذ والقدرة

(La puissance) لا يشكلان وحدهما سلطة ( pouvoir) يخضع لها الشعب، ما لم تستندا الى شرعية مبنية على قبول المجتمع . وهذا ما عبًر عنه الفيلسوف البريطاني جان لوك (1632/1704) في كتابه Traité du gouvernement civil بقوله ان الشرعية السياسية مستمدة من الموافقة الشعبية والضمنية للمحكومين.

اما مفهوم المشروعية (La légalité) او الدستورية constitutionnalité ) La ) فيتجسد في الأساس القانوني الذي تستند اليه السلطة في قراراتها، أي مدى احترام هذه القرارات للنصوص المرعية الاجراء. فالمشروعية، التي ترتبط بشكل عام بمفهوم "دولة القانون"، هي خضوع السلطة في اعمالها وقراراتها الإدارية الى القانون تحت طائلة الابطال من قبل القضاء الإداري. كذلك فان " الدستورية" هي خضوع السلطة التشريعية الى احكام الدستور تحت طائلة الابطال من قبل القضاء الدستوري. (حول هذه المفاهيم انظر:

Josiane Boulad-Ayoub , Légitimité, Légalité et vie politique, L’Harmattan,2003.

فالشرعية لا تنطوي حُكما على المشروعية والعكس صحيح. فالقانون الذي يقره البرلمان وفق الإجراءات الدستورية يُعتبر قانونا حتى لو كان مرفوضا شعبيا. ففي سنة 1940 صوت البرلمان الفرنسي، المستقر في مدينة فيشي، بأغلبية ساحقة طبقا للإجراءات الدستورية، على القانون الصادر بتاريخ 10 تموز سنة 1940 الذي يُعطي حكومة المارشال بيتان الصلاحيات الاستثنائية لكتابة دستور جديد. فكان ان اقر الفقه الفرنسي بدستورية قانون 1940 وبعدم شرعية حكومة فيشي لتعاملها مع العدو. في المقابل، قد يحدث ان تصد ر السلطة الشرعية قرارات خلافا للنصوص والإجراءات المعمول بها في الدولة وبالتالي لا تتصف بالمشروعية.

الا انه مع تطور الديموقراطية وظهور مبدأ سيادة القانون، الذي ينطوي على خضوع الدولة ومؤسساتها للقانون، أصبحت الشرعية مرتبطة بالمشروعية من خلال تعميم ثقافة الديموقراطية وترسيخ دولة القانون وإقامة المؤسسات التي تمثل الشعب كالبرلمانات والمجالس البلدية والمحلية.

يتضح مما تقدم ان الشرعية، خلافا للمشروعية، هي مفهوم سياسي أكثر منه قانوني، مما يطرح مسالة تحديد الجهة المُخولة التصدي للسلطة الغير شرعية ومحاربتها. للوهلة الأولى وعملا بالمبدأ القائل ان ما هو سياسي يُحارب بالسياسة، يمكن القول ان التصدي للسلطة الغير شرعية يمكن ان يتم اما عن طريق الوسائل السلمية كالمظاهرات والاضرابات واما عن طريق الوسائل الجذرية أي الثورة والمقاومة المسلحة. فاللجوء الى المحاكم ممكن لكنه يتوقف بالدرجة الأولى على وجود نصوص تسمح للقاضي الغوص في هذا المجال السياسي بامتياز. وهذا ما أقدم عليه المشرّع الدستوري سنة 1990 بإدخاله مفهوم الشرعية في مقدمة الدستور مما أدى الى تحويل هذا المفهوم السياسي الى مفهوم تتقاطع فيه السياسة مع القانون. وهذا ما يقودنا الى سؤالنا الثاني أي معرفة متى تُعتبر السلطة غير شرعية لعلة مناقضتها ميثاق العيش المشترك؟

للإجابة على هذا السؤال تجدر الإشارة الى انه لا جدوى من الرجوع الى محاضر جلسات مجلس النواب المتعلقة بالتعديل الدستوري الناتج عن اتفاق الطائف. فبعد ملاحظة وجيزة ابداها النائب المرحوم زكي مزبودي على الفقرة "ز" المتعلقة بالأنماء المتوازن للمناطق، ختم المرحوم الرئيس الحسيني قائلا: " اذن حول المقدمة لا أحد لديه ملاحظات غير هذه الملاحظة"، وقضي الامر. (انظر خالد ملكي، الوثائق الدستورية اللبنانية منذ سنة 1860، صادر، ص. 284).

 اما الدكتور ادمون رباط فلقد وافته المنية قبل ان ينجز دراسته لمقدمة الدستور (دار النهار 2004). فكل ما تسنى له كتابته عن الفقرة (ي) لا يتعدى بضعة أسطر خصصها للإشارة الى خطورة المبدأ الذي نصت عليه هذه الفقرة، لأن من شانه " ان يجعل من كل رئيس جمهورية، وكل حكومة، وكل مسؤول، مُعرضا الى الإقالة والمقاومة، إذا ما توجهت اليه التهمة بان من سياسته ومواقفه وافعاله قد تظهر بوادر الانقسامات الطائفية". كما " انه بات لكل مواطن ان يلجا الى هذا السلاح الحاد، إذا ما بدا له ان ثمة عملا او سياسة او اتجاها من شانه ان يهدد ميثاق العيش المشترك" (ص. 81 و82).

في الواقع ان عملية تحديد الحالات التي تُعتبر فيها السلطة غير شرعية لعلة مناقضتها ميثاق العيش المشترك، مشروطة بتحديد مضمون هذا الميثاق الذي وضع سنة 1943 وتم تجديده في اتفاق الطائف. من المعلوم ان هذا الميثاق، الذي يُعبر عن فلسفة التعايش بين الطوائف في وطن معروف بتركيبته الطائفية المجتمعية، يتجسد اليوم بأعراف ونصوص دستورية تم تكريسها في الطائف. فبالإضافة الى ما تم الاتفاق عليه سنة 1943 من توزيع للرئاسات الثلاث على الطوائف الأساسية، نص دستور الطائف في المادة 24 منه، على توزيع المقاعد النيابية " بالتساوي بين والمسيحيين والمسلمين (و) نسبيا بين طوائف كل من الفئتين". كذلك نصت المادة 95 من الدستور على ان تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة وتكون وظائف الفئة الأولى مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

يتضح مما تقدم ان الميثاقية تنطوي، بالنسبة للمُشرع الدستوري، على المناصفة عندما يتعلق الامر بتكوين السلطات. اما فيما يتعلق بممارسة السلطة فان المادة 65 من الدستور تهدف الى الحؤول دون استبعاد أي مكون خاصة عندما يتعلق الامر بالمواضيع المصيرية. فالمادة 65 تنص على ان " يكون النصاب القانوني لاجتماع مجلس الوزراء أكثرية ثلثي أعضائه ويتخذ قراراته توافقيا. وإذا تعذر ذلك بالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور"، ماعدا المواضيع الأساسية، كالحرب والسلم والتعبئة العامة على سبيل المثال، فأنها تحتاج الى موافقة ثلثي أعضاء الحكومة.

استنادا الى هذه النصوص يمكن القول ان حكومة الرئيس نواف سلام ميثاقية التكوين طالما ان وزراء الطائفة الشيعية الكريمة لم يتقدموا باستقالتهم من الحكومة. فجوهر الميثاقية هو عدم استبعاد أي مكون عن إدارة شؤون البلاد، طبقا لما نص عليه الدستور. في هذه الحالة تنتفي الميثاقية بانتخاب رئيس جمهورية غير ماروني او بتشكيل حكومة بدون الطائفة السنية او بانتخاب برلمان خال من الشيعة. هناك من يعتبر ان ميثاق 1943 عقد بين المسيحيين والمسلمين وليس بين جميع الطوائف مما يوحي بان وجود حكومة خالية من الوزراء الشيعة لا يضرب الميثاقية طالما انها تكمن في مشاركة المسيحيين بشكل عام والمسلمين بمن فيهم الشيعة في ادارة شؤون البلاد. الا ان هذا الراي يمكن دحضه بما تم في الطائف من تدعيم لصلاحيات المجلس النيابي ورئيسه الذي ينتمي الى الطائفة الشيعية، حيث ان الدستور الحالي لحظ دورا لرئيس المجلس حتى في عملية تشكيل الحكومة. فبحسب المادة 53 من الدستور" يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استنادا الى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها"، مما يشكل حالة نادرة في الأنظمة البرلمانية.

في هذه الحالة، تُطرح مسالة تطبيق الميثاقية على الطوائف الأخرى. فهل ان الحكومة الخالية من وزراء روم ارثوذكس ميثاقية ام لا؟ كذلك يمكن التساؤل عن نية المُشرّع الدستوري لسنة 1990. فهل ان اللاشرعية هي العقوبة التي تنالها السلطة لمناقضتها ميثاق العيش المشترك ام انها معطاة للطوائف كوسيلة من وسائل المعارضة السياسية غير المنصوص عليها في الدستور؟ بمعنى آخر هل ان اللاشرعية تتكون عندما تستبعد طائفة نفسها عن المشاركة في السلطة ام فقط عندما تُستبعد هذه الطائفة عن المشاركة في الحكم من قبل السلطة السياسية؟

يبقى السؤال حول معرفة ما إذا كان قرار حكومة الرئيس سلام الشرعية، المتعلق بحصرية السلاح، يمتع بالميثاقية لكونه اتخذ بغياب الوزراء الشيعة. للجواب على هذا السؤال يجب الإشارة الى ان الفقرة (ي) تنص على ان " لا شرعية لأي سلطة ..." وليس لأي "قرار". كذلك تجدر الملاحظة الى انه لا يوجد أي نص دستوري يفرض الاجماع في اتخاذ القرارات. فالمادة 65 من الدستور التي تحدد آلية اتخاذ القرارات داخل مجلس الوزراء تفرض، تامينا للميثاقية، اغلبية الثلثين لاتخاذ القرارات في المواضيع المصيرية، وهذا ما حصل بالنسبة لقرار حصرية السلاح. اما فيما يتعلق بدستورية هذا القرار فمما لا شك فيه ان لا غبار على دستوريته نظرا لاتخاذه وفق آلية المادة 65 من الدستور. تبقى مسالة الهيئة الصالحة لمراقبة دستورية هذا "القرار"، علما بان المجلس الدستوري لا يراقب الا دستورية "القوانين". ضمن هذه الظروف لم يبق الا مجلس الشورى صاحب الصلاحية في مراقبة الاعمال الإدارية. فهل من مصلحة في اقحام القضاء في مسائل سياسية بامتياز؟

المنشورات ذات الصلة