عاجل:

اروقة خارجية جددت لـ “اليونيفيل” والتزامات ملحّة على لبنان (نداء الوطن)

  • ٢٦

كتبت أمل شموني:

في ظلّ توازن دقيق ومناورات ومفاوضات دبلوماسية خلف أبواب مغلقة، عكست التعقيدات السياسة الإقليمية والحاجة الملحّة لجهود حفظ سلام مستدامة، تمّ التمديد الأخير لقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) إلى نهاية عام 2026. فقد أبرزت المفاوضات الأخيرة الديناميكيات المعقدة المتعلقة بأمن واستقرار لبنان والمنطقة خصوصًا، وأنه مطلوب من لبنان الكثير في ظل قدرته المحدودة على الوفاء بكل الالتزامات دفعة واحدة. وسلّطت الضوء على التحديات التي واجهتها الدول المشاركة في هذه القوّة، إن كان على أرض الواقع، أو في أروقة الأمم المتحدة، وصولًا إلى كواليس النقاشات بين الدول المعنية مباشرة بعملية التجديد خصوصًا فرنسا والولايات المتحدة والدول الأوروبية المشاركة في القوة وصولًا إلى لبنان.

فمنذ 11 تموز 2025، تكثّف النقاش الأوسع حول مستقبل “اليونيفيل” في لبنان، فقد وجّه الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش رسالة إلى رئيس مجلس الأمن يخطره فيها إلى طلب لبنان التمديد للقوة الموقتة، مُعددًا التوترات المحلية الناشئة، والحاجة العملياتية إلى استراتيجيات تكيّفية. فقد أشارت الرسالة إلى المخاطر التي هي أعلى من أي وقت مضى، مما أكد الأهمية الحاسمة لوجود “اليونيفيل” في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وسط مشهد يتميّز بعدم اليقين والتغيير. وقالت الرسالة إنّ الأعمال العدائية التي قام بها “حزب الله” من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى في منطقة انتشار القوة، تسببت في دمار واسع النطاق، مشيرًا إلى هشاشة الوضع. غير أن الرسالة لحظت أيضًا نقطة هامة متعلقة بميزانية عمل القوة تلحظ عدم وجود التمويل كاملًا لسدّ تكاليف عمل هذه القوة.

من هنا بدأت عملية شدّ الحبال بين الولايات المتحدة التي لم تلحظ في ميزانيتها أي مبلغ للقوات الدولية، وهي كانت تتكفل بربع تكاليف هذه القوة، إضافة إلى رأيها بأن “اليونيفيل” كانت “قوة فاشلة”، وبين فرنسا ولبنان اللذيْن تمسّكا بوجود وعمل القوة. فلبنان اعتبر أن وجود “اليونيفيل” حاجة ماسة للتوصّل إلى تفاهم مع إسرائيل لانسحابها من النقاط الخمس، وتفاهم شامل للنقاط المتنازع عليها على طول الخط الأزرق وبتنفيذ القرار 1701. وأشارت المصادر إلى أن لبنان أراد إبقاء “اليونيفيل” ثلاث سنوات إضافية ليتسنّى له تمكين الجيش وبسط سلطة الدولة على كامل الحدود اللبنانية لاسيما في الجنوب. ولفتت مصادر دبلوماسية لبنانية إلى أن لبنان قبل على مضض التجديد لعام واحد أخير بعد أن اصطدم بتصلّب الموقف الأميركي بعدم الرغبة في التجديد.

في مقابل ذلك، شهدت أروقة وزارة الخارجية الأميركية الكثير من التجاذب بشأن الصيغة النهائية التي تؤدي إلى إنهاء عمل “اليونيفيل”، مع الأخذ بالاعتبار ضرورة أن يحصل الأمر بشكل منظّم. وعملت واشنطن على خطيْن متوازييْن، إعلام لبنان بقرارها النهائي والتواصل مع فرنسا والدول الأوروبية المشاركة في القوة، للتوصّل إلى النتيجة المبتغاة. فالجانب الأميركي كان يسعى إلى أمريْن، الأول وضع تاريخ محدد لإنهاء عمل القوة الدولية، والثاني وضع خطة عملانية واضحة لانسحاب هذه القوة.

في موازاة ذلك، عملت الآلة الدبلوماسية اللبنانية بشكل ناشط على مستويات مختلفة لإيصال وجهة نظر لبنان المتمسكة ببقاء القوة الدولية، أقله إلى حين “التوصل إلى تفاهم سياسي شامل لجميع المسائل العالقة وفقًا للقرار 1701”. فبدءًا من أعلى الهرم، رئاسة الجمهورية، مرورًا برئاسة الحكومة ووزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية في مواقع القرار، عملوا جميعًا بشكل متزامن على إيصال خطاب موحد يعكس بوضوح الأسباب الموجبة لطلب لبنان الإبقاء على عمل القوة الدولية. وقد أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن الإجماع اللبناني في الخطاب، انعكس على الإدارة الأميركية لإعادة النظر في بعض من مواقفها بشأن القوة وتليينها والقبول بالتمديد الموقّت الأخير.

على خط ثالث، لعبت فرنسا مدعومة من الدول الأوروبية، لا سيما ألمانيا وإيطاليا واليونان إضافة إلى بريطانيا دورًا بارزًا في الضغط على الولايات المتحدة، لتحقيق التمديد لـ 16 شهرًا إضافة إلى عام إضافي مخصص لانسحاب القوة المنظم. ورغم التجاذبات التي استمرت لأكثر من شهر، أشارت المصادر الدبلوماسية الأميركية إلى أن التواصل الذي تمّ بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والفرنسي جان نويل بارو في الساعات الـ 24 الأخيرة شكّل نقطة تحوّل في الموقف الأميركي.

وتشير الورقة الفرنسية التي تمّ التمديد على أساسها إلى عدد من النقاط المهمة التي اتفقت عليها واشنطن وباريس لمنع حصول فراغ أمني على الأرض. وأبرز هذه النقاط موضوع تفعيل الآلية المنصوص عليها في اتفاق وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان في 27 تشرين الثاني 2024. وتشير المصادر إلى أن هذه الآلية التي تعمل حاليًا بالتعاون مع “اليونيفيل” في نطاق منطقة عملياتها جنوب نهر الليطاني، ستعمد إلى تفعيل قدراتها الحالية ودورها في الرصد والتحقق للمساعدة في ضمان تنفيذ الالتزامات التي تعهد بها كل من لبنان وإسرائيل لا سيما رصد انتهاكات القرار 1701 والإبلاغ عنها.

في المحصلة، بين الرأي الأميركي الإسرائيلي بأن “اليونيفيل” فشلت في الوفاء بالتزاماتها رغم عديدها البالغ 10,500 جندي، وتمويلها السنوي وقدره 500 مليون دولار، والرأي الفرنسي- اللبناني الداعم والمتمسك بوجود “اليونيفيل”، لفتت المصادر الأميركية إلى أن واشنطن تمارس الكثير من الضغوط على لبنان وأن الرسائل الأميركية الأخيرة لم تكن فقط داعمة ومشيدة بقرار بيروت غير المسبوق والصعب بنزع سلاح “حزب الله”، بل دعت بوضوح إلى أنه حان الوقت للجيش اللبناني، الذي لطالما تجنّب المخاطرة ونأى بنفسه عن الصراع مع “الحزب”، ليطرح خطة عملية لبسط سلطة الدولة كاملة. ودعت المصادر الأميركية إلى ضرورة أن يعمد لبنان إلى تلقف الفرصة التي “لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل لتحقيق سيادة الدولة”، خصوصًا وأن واشنطن تبدي استعدادًا كبيرًا لمساندة ودعم الدولة اللبنانية للتقدم بثبات نحو احتكارها السلاح.


المنشورات ذات الصلة