عاجل:

قراءة في حوار عزت الشابندر مع محمد الحمادي في برنامج "بالمنطق"

  • ٣١

بقلم: حيدر صبي

السؤال عن صاحب القرار في العراق ليس بالسؤال عن اسم شخص أو مؤسسة بقدر ما هو سؤال عن طبيعة النظام الذي يُنتج القرار نفسه. فحين يكون للدولة دستور وحكومة وبرلمان وقائد عام للقوات المسلحة ومؤسسات أمنية ودبلوماسية واقتصادية، يصبح السؤال البديهي: من يملك في النهاية القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى قرار نافذ؟

من هنا جاءت أهمية الحلقة التي استضاف فيها محمد الحمادي السياسي العراقي المستقل "عزت الشابندر". فالحلقة وان لم تضع أمام المشاهد سؤالاً تقنياً عن آليات الحكم، لكنها اقتربت من المنطقة الأكثر حساسية في التجربة العراقية التي تسلط الضوء على (الفارق بين صاحب الصلاحية الدستورية وصاحب القدرة الفعلية على التأثير). 

واللافت أن الحلقة جاءت في لحظة عراقية وإقليمية شديدة التعقيد، بعد سنوات من إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وفي ظل نقاش متصاعد حول مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، وموقع الفصائل المسلحة، وحدود النفوذ الإيراني، ومستقبل الإطار التنسيقي.

▪️ السؤال الذي يتجاوز الحكومة

السؤال الذي طرحه عنوان الحلقة، "العراق..لمن القرار"؟، يحمل في داخله افتراضاً مهماً ،نعم وان حاكى وجود الحكومة غير انه لا يعني بالضرورة امتلاكها وحدها لكل أدوات القرار.وهذه هي النقطة المركزية التي ينبغي التوقف عندها. اذ المتعارف عليه في الدولة الطبيعية، نجد هناك فرق بين تعدد الآراء وتعدد مراكز القرار.ونعلم ان تعدد الآراء ظاهرة سياسية صحية،أما تعدد مراكز القرار في المسائل السيادية، ولا سيما الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، فيحوّل الدولة من مؤسسة صاحبة إرادة واحدة إلى مساحة تتقاطع فيها الإرادات.

وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر عمقاً:هل القرار العراقي يُصنع داخل مؤسسات الدولة، ثم تتفاوض القوى السياسية حوله؟،أم أن القوى السياسية نفسها هي التي تصنع القرار، ثم تأتي مؤسسات الدولة لتمنحه شكله الرسمي؟

هذه المسافة بين القرار الرسمي والقرار الفعلي هي المفتاح الحقيقي لقراءة الحلقة.

▪️ الشابندر والحديث من داخل المطبخ السياسي

أهمية عزت الشابندر في هذا النوع من الحوارات لا تأتي من موقع رسمي يشغله الآن، وإنما من كونه شخصية سياسية عاصرت مراحل متعددة من النظام السياسي العراقي بعد 2003، ولها معرفة واسعة بالتفاعلات الداخلية والإقليمية.

وفي تصريحات سابقة، قدم الشابندر نفسه بوصفه سياسياً يرى أن فهم العراق لا ينفصل عن فهم الاستراتيجية الدولية والإقليمية، وانتقد ما وصفه بالسذاجة السياسية وعدم فهم الترابط بين ملفات المنطقة. 

وهذا مهم لفهم طريقته في الإجابة..فهو لا ينظر إلى القرار العراقي باعتباره نتاجاً عراقياً صرفاً، وإنما يقرأه ضمن شبكة أوسع من المصالح والضغوط والتوازنات.

وهذه القراءة ظهرت في مواقفه السابقة أيضاً، سواء في الحديث عن العلاقة مع الولايات المتحدة، أو النفوذ الإيراني، أو السلاح، أو تشكيل الحكومات.

▪️ الدولة والإطار والفصائل..ثلاث دوائر للقرار

العنوان الذي اختارته سكاي نيوز للحلقة نفسها يحدد ثلاث دوائر رئيسية ( الحكومة، الإطار التنسيقي، والفصائل المسلحة).وهذا التقسيم شديد الدلالة.فالحكومة تمتلك الشرعية الدستورية.والإطار يمتلك وزناً سياسياً وبرلمانياً واسعاً.أما الفصائل المسلحة، فتملك ـ بدرجات متفاوتة ـ أدوات قوة لا تنتمي كلها إلى الآليات التقليدية للعمل السياسي.

وهنا تظهر المعضلة العراقية الأساسية،فحين تجتمع السلطة السياسية مع القوة المسلحة خارج التسلسل الحكومي الكامل، هنا نكون امام تعقيد فادح في السؤال عن مصدر القرار .وهذا لا يعني أن كل قرار حكومي صادر عن الإطار أو الفصائل يتخذ الصبغة التلقائية ، كما لا يصح اختزال المشهد كله في النفوذ الإيراني. لكن وجود هذه القوى في المعادلة يجعل دراسة القرار العراقي مختلفة عن دراسة قرار دولة تمتلك احتكاراً كاملاً لأدوات القوة.

وهذا تحديداً ما يجعل ملف حصر السلاح بيد الدولة يتجاوز كونه ملفاً أمنياً ،فعند جوهره يكمن السؤال عن من يمتلك حق تعريف المصلحة الوطنية والدفاع عنها؟

▪️ إيران..النفوذ أم الوصاية؟

السؤال الآخر الذي تطرقت إليه الحلقة هو النفوذ الإيراني في المعادلة العراقية الجديدة. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط في الخطاب السياسي: "التأثير، والنفوذ، والتحكم".

فإيران، مثل الولايات المتحدة وتركيا ودول عربية أخرى، تملك مصالح وأدوات تأثير في العراق. وهذا أمر لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة لإثباته.

لكن الانتقال من القول بوجود نفوذ إيراني إلى القول إن القرار العراقي إيراني بالكامل يحتاج إلى أدلة أكثر تحديداً لكل ملف وقرار.

واذن فالعراق ليس دولة بلا إرادة، كما أنه ليس دولة معزولة عن بيئتها.إنما المعضلة تبسط سطوتها في مكان آخر تتضح من استطاعت الدولة العراقية أن تقول “لا” عندما يتعارض قرارها مع مصالح قوة إقليمية أو دولية؟ .هنا يصبح قياس السيادة أكثر فائدة من مجرد الحديث عن النفوذ.

فالدولة صاحبة القرار ليست الدولة التي لا يتدخل الآخرون في شؤونها؛ فهذا غير موجود في السياسة الدولية.

"الدولة صاحبة القرار هي التي تستطيع، في لحظة التعارض، أن تجعل قرارها الوطني هو القرار النهائي".

▪️السلاح..الوجه الآخر للسيادة

من أكثر الملفات التصاقاً بسؤال الحلقة ملف السلاح خارج الإطار الحكومي.وهذا الملف لا يمكن فصله عن السؤال الأكبر: من يملك القوة؟

فإذا كانت الحكومة هي صاحبة القرار السياسي، لكنها لا تمتلك بصورة حصرية كل أدوات القوة، فإن السيادة تصبح منقوصة من الناحية العملية، حتى لو كانت مكتملة من الناحية الدستورية.

وهذه ليست مسألة عراقية فحسب..إنها قاعدة أساسية في بناء الدولة الحديثة.

"القرار السياسي يحتاج إلى قوة قانونية تحميه".

ولهذا فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافاً لمكون سياسي أو اجتماعياً بعينه، وإنما باعتباره سؤالاً عن وحدة مركز القرار الأمني.

ظهرت في العراق، خلال السنوات الأخيرة، مواقف وتحليلات عديدة تربط استمرار السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة بمخاطر تعريض البلاد لصراعات إقليمية ودولية. 

لكن الجانب الآخر من المعادلة نجد الدولة لا تستطيع أن تطلب احتكار السلاح وهي عاجزة عن تقديم الردع والحماية والتمثيل السياسي المتوازن لجميع مواطنيها.

أي أن استعادة احتكار القوة يجب أن تسير بالتوازي مع استعادة الثقة بالدولة.

▪️واشنطن في المعادلة

لا يمكن قراءة الوضع العراقي بمعزل عن الولايات المتحدة.

فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإيرانية والتركية والعربية، وأي تحول في ميزان القوى الإقليمي ينعكس عليه سريعاً.

وهذا ظهر في مواقف الشابندر السابقة، التي تجمع أحياناً بين التشديد على استقلال القرار العراقي وانتقاد السياسات الأميركية.

كما أن التطورات الأخيرة المتعلقة بالعلاقة العراقية ـ الأميركية، بما فيها الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، تجعل من الصعب النظر إلى واشنطن باعتبارها مجرد طرف خارجي بعيد عن القرار العراقي.

لكن، مرة أخرى، هناك فرق بين التأثير الأميركي وبين القول إن واشنطن تصدر كل القرارات العراقية.

"المشكلة الحقيقية ليست أن الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما يحاول التأثير".

المشكلة تبدأ عندما يصبح القرار العراقي نفسه نتيجة لموازنة المصالح الخارجية قبل أن يكون تعبيراً عن المصلحة العراقية.

▪️أين يقف الإطار التنسيقي؟

السؤال الأكثر حساسية هو موقع الإطار التنسيقي.

فالإطار ليس مؤسسة دستورية للدولة، لكنه قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة وتوجيه المسار السياسي.وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في النظام العراقي:القوة السياسية التي تدعم الحكومة ليست هي الحكومة، لكنها قد تمتلك تأثيراً كبيراً في إنتاج قراراتها.

وهذا يفتح سؤالاً أكبر من الإطار نفسه:هل المشكلة في قوة الإطار؟

أم في نظام سياسي يجعل الأحزاب والائتلافات قادرة على التأثير العميق في المؤسسات التنفيذية؟

إذا كانت الثانية هي الأقرب إلى الواقع، فإن معالجة المشكلة لا تكون بتغيير اسم التحالف أو استبدال القوى، وإنما بإعادة تعريف العلاقة بين الحزب والدولة.

وهذا يقود مباشرة إلى أصل المشكلة العراقية بعد 2003،والسؤال المركب ؛هل الدولة هي التي تستخدم الأحزاب، أم أن الأحزاب هي التي تستخدم الدولة؟

▪️الشابندر لا يقرأ العراق من الداخل فقط

من اللافت في مسار الشابندر السياسي أنه كثيراً ما يتعامل مع العراق باعتباره جزءاً من منظومة إقليمية أكبر.

وهذا يظهر أيضاً في مواقفه الحديثة من سوريا، والعلاقات العراقية ـ السورية، والسلاح، والتوترات الإقليمية. وقد تحدث في أغسطس/آب 2026 عن لقاءاته بالرئيس السوري أحمد الشرع وعن تصورات تتعلق بالتعاون العراقي ـ السوري، كما حذر في السياق نفسه من السلاح المنفلت والخطاب الطائفي. 

وبالتالي فإن قراءته لسؤال «لمن القرار؟» لا تبدو منفصلة عن تصور أوسع للعراق بوصفه دولة تقع في ممر جيوسياسي شديد الحساسية.

نعم،العراق ليس فقط دولة نفطية.إنه دولة تقع بين إيران وتركيا والخليج وسوريا، وعلى مقربة من إسرائيل، وداخل مجال الاهتمام الأميركي.

ولهذا فإن ضعف مركز القرار العراقي لا يبقى شأناً داخلياً.وان كل فراغ في القرار العراقي سرعان ما تملؤه قوة أخرى.

▪️المفارقة العراقية الكبرى

ربما يمكن اختزال جوهر الحلقة كلها في مفارقة واحدة تقول"العراق يمتلك دولة، لكنه لم يحسم بعد بصورة نهائية من يملك الدولة".فهناك دستور.

وهناك انتخابات.وهناك برلمان.وايضاً هناك حكومة.هذا غير ان هناك جيش وشرطة وأجهزة أمنية.لكن مع كل هذا الكم من المؤسسات توجد هناك شبكات حزبية وسياسية ومسلحة واجتماعية واقتصادية لها تأثير متفاوت على القرار.

وهنا إلى أي مدى تستطيع الدولة العراقية أن تكون دولة؟وهذا سؤال مختلف تماماً.

▪️ما الذي يكشفه الحوار عن المرحلة العراقية المقبلة؟

أهمية الحلقة لا تكمن فقط في الإجابات التي قدمها الشابندر، وإنما في الأسئلة التي تركتها مفتوحة.

ما هو اقرب للحدوث ان نجد العراق يدخل مرحلة سيكون فيها اختبار السيادة أكثر صعوبة من أي وقت سابق.فالانسحاب أو إعادة تعريف الوجود العسكري الأجنبي لا ينهي بالضرورة الصراع على العراق،نعم قد ينقل الصراع من وجود القوات إلى النفوذ على القرار وهذا متوقع.لكن ساعتها يصبح العراق أمام معادلة شديدة الحساسية،فإن ضعفت الدولة، معنى هذا ان قوى اللادولة ستتوسع.

وإذا توسعت القوى غير الرسمية، أصبح الخارج أكثر قدرة على بناء علاقات مباشرة معها.اما وإن تعددت قنوات الاتصال مع الخارج، فحتماً سيصبح القرار الوطني أكثر تعقيداً.

عليه فإن ما يعرف بالسيادة لايمكن تأطيرها بشعار لنرفعها امام الجمهور فحسب بل لابد وتعريفها المعرفة الحقيقية كونها هي القدرة المؤسسية على اتخاذ القرار وتنفيذه.

▪️عند الخلاصة نقول:

ان لقاء "عزت الشابندر" مع "محمد الحمادي" لم يكن في جوهره حواراً عن شخص يمتلك القرار العراقي، وإنما عن بنية القرار العراقي نفسه.

والإجابة الأعمق عن عنوان الحلقة قد لا تكون: الحكومة أو الإطار أو الفصائل أو إيران أو الولايات المتحدة.فالقرار العراقي، في صورته الراهنة، يبدو أقرب إلى ساحة تتقاطع فيها هذه الدوائر بدرجات مختلفة، بينما تبقى المعركة الحقيقية هي: أي دائرة ستكون صاحبة الكلمة النهائية عندما تتعارض المصالح؟

وهنا تحديداً يصبح بناء الدولة العراقية أكبر من تغيير حكومة أو تحالف سياسي.

إنه إعادة بناء سلسلة القرار من نهايتها إلى بدايتها، من خلال معرفة،من يقرر؟ومن ينفذ؟ومن يحاسب؟ومن يمتلك القوة عندما يختلف الجميع؟

إذا أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، يصبح الحديث عن السيادة واقعاً.أما إذا بقيت الإجابات موزعة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والسلاح والنفوذ الإقليمي والدولي، فسيظل عنوان الحلقة مفتوحاً "العراق..لمن القرار"؟

والسؤال الأخطر ربما ليس من يملك القرار العراقي اليوم؟ انما هل يستطيع العراق أن يصل إلى اللحظة التي يصبح فيها القرار العراقي ملكاً للدولة وحدها؟

مصدر الحلقة: حلقة «العراق.. لمن القرار؟» على سكاي نيوز عربية⁠ — وقد أكدت صفحة البرنامج أن الحلقة عُرضت في 27 سبتمبر/أيلول 2026 ومدتها 28:33 دقيقة تقريباً.

المنشورات ذات الصلة