عاجل:

صحيفة الرياض: معركة اليمن الأساسية ليست فقط على الجغرافيا بل على طبيعة الدولة نفسها

  • ٤٠

رأت صحيفة "السعودية" أنه "لا يمكن قراءة الإعلان عن بدء عملية عسكرية يمنية لاستعادة مؤسسات الدولة والوصول إلى صنعاء باعتباره تطوراً داخلياً محضاً في مسار الحرب اليمنية. فاليمن، بحكم الجغرافيا وموقعه المشرف على باب المندب والبحر الأحمر وامتداده على الخاصرة الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، يمثل جزءاً أصيلاً من معادلة الأمن الخليجي. ومن هنا، فإن أي تحول يعيد للدولة اليمنية قدرتها على احتكار السلاح وفرض السيادة لا ينعكس على اليمن وحده، بل على أمن الخليج والممرات البحرية والتوازن الإقليمي بأسره".

وأوضحت أن "التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن ليست مجرد فصل جديد في حرب طويلة، بل قد تكون مؤشراً إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جنوب الجزيرة العربية بأكملها. فالإعلان عن عملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وتوسيع نطاق السيطرة الحكومية يطرح سؤالاً يتجاوز حدود اليمن: هل يمكن أن تشكل استعادة سلطة الدولة نقطة تحول في معادلة الأمن الخليجي، بعد سنوات أصبح فيها اليمن جزءاً من صراع نفوذ إقليمي ممتد من الخليج إلى البحر الأحمر؟".

وأشارت إلى أن "أهمية اليمن تكمن في موقعه قبل أي اعتبار آخر. فهو يجاور دول الخليج مباشرة، ويطل على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ويشكل امتداداً جغرافياً للأمن في شبه الجزيرة العربية. لذلك فإن ضعف الدولة اليمنية لا يبقى شأناً داخلياً، بل يتحول سريعاً إلى مصدر تهديد عابر للحدود، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو من خلال تهديد الملاحة والتجارة الدولية".

واعتبرت أنه "خلال السنوات الماضية، أثبتت تجربة الحوثيين أن الجماعات المسلحة غير الخاضعة لمؤسسات الدولة يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير إقليمي تتجاوز بكثير نطاقها المحلي. لم يعد الأمر متعلقاً بجماعة تسيطر على مناطق داخل اليمن فحسب، بل بكيان يمتلك قدرات صاروخية ومسيرات وأدوات ضغط بحرية، ويستطيع إدخال اليمن في مواجهات لا يقررها اليمنيون بالضرورة ضمن مؤسسات سياسية وطنية جامعة".

من هذه الزاوية، لفتت إلى أن "أي تحرك يعيد بناء سلطة الدولة ويحصر القرار العسكري داخل مؤسسات رسمية يحمل دلالة مباشرة لأمن الخليج. المشكلة الأساسية ليست في وجود خلاف سياسي أو اجتماعي داخل اليمن؛ فذلك شأن يمني يمكن التعامل معه عبر السياسة والتسويات. الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح القوة المسلحة المستقلة عن الدولة صاحبة القرار في الحرب والسلم، وعندما يصبح استخدامها ممكناً ضمن صراعات إقليمية أوسع".

ورأت أنه "هنا تحديداً تبرز العلاقة بين الملف اليمني والتنافس الإقليمي. فقد ارتبط الحوثيون على مدى سنوات بقوى خارجية تدعمها سياسياً وعسكرياً وفق تقارير دولية متعددة، فيما تنفي هذه القوى باستمرار مسؤوليتها المباشرة عن قرارات الجماعة. لكن بصرف النظر عن مستوى العلاقة وحدودها، فإن وجود قوة مسلحة قادرة على تلقي دعم خارجي والعمل خارج سلطة الدولة يخلق ثغرة استراتيجية يصعب على دول المنطقة تجاهلها".

وأوضحت أنه "بالنسبة لدول مجلس التعاون، فإن استمرار هذه المعادلة يعني بقاء جبهة مفتوحة على الاحتمالات. فالهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على منشآت حيوية في الخليج خلال الأعوام الماضية لم تكن أحداثاً معزولة، بل كشفت أن المسافة بين الأزمة اليمنية والأمن الداخلي لدول الجوار أصبحت قصيرة للغاية. كما أن التصعيد في البحر الأحمر أكد أن السواحل اليمنية يمكن أن تتحول من فضاء تجاري إلى ساحة ضغط على الاقتصاد العالمي".

واعتبرت أنه "لهذا فإن استعادة الدولة اليمنية لا ينبغي النظر إليها بوصفها مشروعاً للغلبة العسكرية، بل باعتبارها مشروعاً لإعادة تنظيم المجال الأمني. المطلوب ليس استبدال جماعة مسلحة بتحالف من جماعات أخرى، بل بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، وضبط الحدود، وإدارة الموانئ، وحماية المجال البحري، وامتلاك قرار استخدام القوة".

وأشارت إلى أن "هذه النقطة هي التحدي الأصعب. فنجاح أي عملية عسكرية لا يقاس فقط بالمدن التي تدخلها القوات أو بالجبهات التي تتقدم فيها، وإنما بقدرة الدولة على إدارة ما تستعيده. التجارب الإقليمية أظهرت أن الفراغ الإداري بعد الإنجاز العسكري قد يعيد إنتاج الفوضى في صورة مختلفة. لذلك فإن استعادة صنعاء، إن حدثت، لن تكون نهاية الأزمة، بل بداية الاختبار الحقيقي"، لافتة إلى أن "المرحلة التالية تحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية: توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، إعادة تشغيل مؤسسات الدولة والخدمات، وإطلاق مسار سياسي يدمج القوى اليمنية التي تقبل بالعمل تحت سقف الدولة.. من دون ذلك، يمكن أن يتحول النجاح الميداني إلى استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع".

كما أكدت أن "حماية المدنيين تظل عاملاً حاسماً في شرعية أي تحرك. فالحرب في اليمن تركت إرثاً إنسانياً ثقيلاً، وأي توسع في العمليات العسكرية يجب أن يقترن بأعلى درجات الانضباط وتجنب استهداف البنية المدنية. ذلك ليس التزاماً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية أيضاً، لأن الجماعات المسلحة كثيراً ما تستثمر الأخطاء العسكرية لتجديد خطابها وتعبئة أنصارها".

وأوضحت أن "على المستوى الخليجي، تبدو المصلحة واضحة: يمن مستقر وموحد القرار أقل خطراً بكثير من يمن تتقاسم فيه القوى المسلحة السيادة. فوجود دولة قادرة على التحكم بأراضيها سيقلل فرص استخدام الصواريخ والمسيرات كورقة ابتزاز، ويحد من احتمالات تحويل باب المندب إلى نقطة اشتباك دائمة، كما يضيق المساحة أمام القوى الخارجية التي تستفيد من هشاشة الدول وتعدد مراكز القوة فيها. لكن نجاح هذا المسار يتطلب رؤية تتجاوز المنطق العسكري. دول الخليج معنية بدعم إعادة بناء الاقتصاد اليمني والمؤسسات والخدمات بقدر اهتمامها بالجانب الأمني. فالدولة القادرة على دفع الرواتب وتشغيل الموانئ وتأمين الكهرباء وخلق فرص العمل هي أكثر قدرة على نزع الشرعية من الجماعات المسلحة من أي حملة دعائية أو عسكرية منفردة".

ولفتت إلى أن "معركة اليمن الأساسية ليست فقط على الجغرافيا، بل على طبيعة الدولة نفسها. هل يكون اليمن دولة ذات قرار سيادي ومؤسسات موحدة، أم يبقى ساحة تتداخل فيها القوى المحلية مع حسابات الخارج؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الأمن في جنوب الجزيرة العربية لسنوات مقبلة. ومن منظور خليجي، فإن استعادة الدولة اليمنية ليست مسألة حسن جوار فقط، بل استثمار مباشر في استقرار المنطقة. فكلما ضاقت مساحة الميليشيات، واتسعت مساحة الدولة، تراجعت قدرة القوى الخارجية على استخدام اليمن كورقة ضغط. وعندها فقط يمكن الانتقال من إدارة الخطر اليمني إلى بناء شراكة أمنية واقتصادية مع دولة مستقرة وقادرة على اتخاذ قرارها بنفسها".

المنشورات ذات الصلة