عاجل:

سكرية من مجلس بعلبك الثقافي: حلول واقعنا الصحي لن تطبَّق في دولة أدمنت الفساد وشعب لا يُحاسب

  • ٣٥

أقام "مجلس بعلبك الثقافي" لقاءًا حواريًّا مع رئيس حملة "الصحة حق وكرامة" النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية، في قاعة الدكتور حبيب الجمال، بحضور رئيس المجلس حاتم شريف، مدير مكتب "تكتل بعلبك الهرمل." النيابي الدكتور علي مصطفى، رئيس اتحاد بلديات بعلبك حسين علي رعد، نائب رئيس بلدية بعلبك عبد الرحيم شلحة، الشيخ الدكتور رائد طلوزي ممثلًا مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، وفاعليات صحية وثقافية وتربوية واجتماعية، ومهتمين.

واستهل اللقاء بسام طه، فقال: "إلى جانب هموم اللبنانيين، هناك غياب لسياسة صحية وطنية مسؤولة وحكيمة، وبالتالي، فإن الاطمئنان الذي اعتبره الفيلسوف ابن سينا نصف الدواء، قد سُلب من المواطنين، ولم يبق لديهم ما يأملونه حتى يصبروا".

وشدّد على أن "من أبرز حقوق الإنسان: الحق في الصحة وصون كرامته، وهذه القضية كانت ولا تزال الشغل الشاغل للدكتور اسماعيل سكرية الذي اشتهر بحمله ملف الصحة والدواء دون كلل أو تعب، وشكَّل ظاهرة نادرة في تاريخ لبنان الحديث باحتضانه لأخطر القضايا وأنبلها".

سكرية

وبدوره، أكد سكرية أن "نسبة الإصابات تتزايد بمرض السرطان في العالم، في حين تنخفض نسبة الوفيات نتيجة الوعي، وسرعة اكتشاف المرض، والتطور العلاجي المتسارع. وسط تساؤلات تتصاعد عن استمرار هذا المرض خارج دائرة السيطرة الحاسمة، رغم الصرف الهائل لمئات مليارات الدولارات منذ منتصف القرن الماضي، مما أثار شكوكاً حول دور مادي مشبوه لبعض شركات أدوية السرطان، إضافة إلى بقاء بعض أنواع المرض عصية على العلاج رغم عنف تأثيره جسدياً ومادياً".

وقال: "في لبنان، للسرطان وأدويته ومرضاه وسياسات مواجهته قضايا وحكايات، وذلك بفعل غياب دولة حقيقية تطبق القانون وتقوم بأعمال الحماية الوقائية، وتحترم كرامة مريض السرطان وخصوصية معاناته، وغياب ثقافة مواطنة لدى الشعب، مما جعل مرض السرطان كابوساً ليس بمجرد ذكر اسمه، بل برحلته المرعبة ومعاناتها وآلامها".

وأشار إلى أنّ "نسبة إصابات السرطان في لبنان هي الأعلى بين الدول العربية قياساً بعدد السكان، حيث يسجل لبنان 15000 حالة جديدة سنوياً. وتأتي إصابة البروستات في المرتبة الأولى عند الرجال يليها الرئتان والمثانة والقولون، فيما يتصدر سرطان الثدي المرتبة الأولى عند السيدات".

وأضاف: "من بين أسباب الإصابة ما هو مجهول، وجيني وراثي، وهناك تلوث يتزايد وبكافة أشكاله: ماء وهواء وغذاء، بفعل المصدر الأساس للتلوث وهو "التلوث السياسي". ففي تلوث الهواء، بحسب تقرير لمؤسسة أمريكية، جاءت بيروت في المرتبة الثانية عالمياً بعد أكرا عاصمة غانا في نسبة التلوث، وذلك بسبب محركات المازوت وكثافة السير والغازات الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري".

وأوضح أن "الماء والتربة يلتقيان من حيث أسباب التلوث التي تعود إلى ترسبات المبيدات والنترات والمعادن وكيميائيات المصانع ومحطات الوقود ونفايات بعض المستشفيات ومواد التنظيف المنزلي. وهذا ما أكدته دراسة ميدانية بالتعاون مع الجامعة الأمريكية وكلية الصحة في الجامعة اللبنانية في البقاع عام 2016، حيث تخطت نسبة السرطان في بلدة القرعون 4 أضعاف النسبة الوطنية، وفي بلدة حوش الرافقة 3 أضعاف. وهناك حالة تلوث بيئي للتربة والمياه هي الأخطر، ناجمة عن دفن مواد إشعاعية في جبال صنين وكسروان خلال فترة الحرب الأهلية".

وأردف: "أما الغذاء المنتج من تربة مغرقة بعشرات أضعاف نسبة استخدام مادة النيترات، فهو يرفع نسبة سرطان المعدة والمثانة، بحسب دراسة أجريت مع كلية الصحة في الجامعة اللبنانية في البقاع عام 2002. ويضاف إلى ذلك الأغذية المصنعة والمعلبة وما تحتويه من مواد مضافة وملونة ومطعمة وحافظة، تخزن كميات من الكيميائيات والمسرطنات والهرمونات. إنه غذاء العولمة الذي يعتمد الاستهلاك السريع على حساب صحة المستهلك".

ورأى أن "وزارة الصحة تشكل انعكاساً للنظام السياسي الطائفي الفاشل في لبنان كباقي مؤسسات الدولة. لكن خطورتها تتأتى من مهمتها رعاية صحة الناس بحسب قانون إنشائها عام 1946. وهذا الشعار تحول إلى رعاية لمحاصصة المناصب، والفساد في الوزارة، بعد أن استقالت من دورها الرعائي لصالح القطاع الاستشفائي الخاص وجمعيات الـ NGOs. وسُلّمت المراكز الرعائية بمعظمها للقوى السياسية، وتُركت المستشفيات الحكومية تحت رحمة التوظيف السياسي الطائفي. وتحولت الوزارة وسياستها الصحية إلى مصرف يرعى فواتير وأعمال صحية فضائحية".

وانتقد "استمرار تغييب المختبر المركزي الذي يُفترض أن يُقام في مستشفى الحريري. أما موازنة أدوية السرطان في الوزارة فهي حوالي 120 مليون دولار من أصل 400 مليون دولار، وهي تعتمد ما بين 200 و 300 دواء. وفي السنوات الأخيرة زادت أدوية التهريب. واعتبر أن "معضلة المواجهة الوزارية لمرض السرطان، تتلخّص بالتالي:

1- الطبيب هو الأساس والمنطلق، ويعتمد بعض الأطباء أدوية محددة باهظة الكلفة وغير موجودة في الوزارة، مما يدفع إلى صرف أدوية مشابهة، مما يفتح باب استحضار المريض الدواء من مصر أو تركيا بصورة خاصة".

وشدّد على "ضرورة اعتماد معادلة توازن بين الضرورة العلمية وواقع المريض الاقتصادي والمرضي"، لافتا إلى أن "بعض الأطباء يطلبون من المريض إجراء فحص مخبري جيني تتراوح كلفته بين 2500 و 6000 دولار ، يعطي املا بتحسين وضع المريض بنسبة تتدنى عن 10 %.

2- انقطاع متكرر لصنف دوائي أو أكثر، مما يحرم المريض من استكمال بروتوكوله العلاجي.

3- الأدوية المشابهة المعتمدة في الوزارة مهددة دائماً بالتشكيك.

4- غياب المختبر المركزي الذي يعتبر صمام الأمان.

5- التكنولوجيا ومنصاتها التي تتحكم بحركة الدواء وصرفه، وبالتالي إرباك المريض.

6- ضعف الموازنة التي تُرصد في هذا الشأن

7- عمق المشكلة الناتج عن تراكمات غياب ثقافة المواطنة التي تسائل وتحاسب".

وختم سكرية: "ما أسهل اقتراح الحلول لواقعنا الصحي المتردي التي تبقى حبراً على ورق!! وهي لن تطبق بالتأكيد في ظل دولة أدمنت الفساد وهي تنهار وتغرق أمام أعين شعب لا يعي حقوقه ولا يحميها بالمساءلة والمحاسبة، ولكن لا بد من دخول الدولة شريكاً في استيراد الدواء خاصة أدوية السرطان من خلال إعادة تفعيل المكتب الوطني للدواء، أو استحضار تجربة العرض السويدي باستيراد الدواء من دولة إلى دولة مما يخفض الفاتورة حوالي النصف. كما لا بد من تفعيل المختبر المركزي للدواء وهو صمام الأمان في تحديد نوعية الدواء وتركيبته وفاعليته. والمطلوب أيضا التحضير لمؤتمر علمي يجمع اختصاصيي السرطان من مختلف الجامعات الأكاديمية في لبنان إضافة إلى وزارة الصحة، وإنشاء صندوق دعم خاص لمرضى السرطان والتوقف عن استجداء دعم مذل عبر شاشات التلفزة، فالصحة حق وكرامة".

وختامًا جرى حوار جاد وهادف بين الدكتور سكرية والمشاركين في اللقاء الحواري العلمي.

المنشورات ذات الصلة