عُقدت في عاصمة قيرغيزستان، بيشكيك، يومي 31 آب و1 أيلول، القمة اليوبيلية الخامسة والعشرون لمنظمة شنغهاي للتعاون. ومن الناحية الرمزية أن اجتماع قادة الدول العشر الأعضاء، وهي بيلاروس والهند وإيران وكازاخستان وقيرغيزستان والصين وباكستان وروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان، قد جمع أيضًا قادة الدول المراقبة والشريكة في الحوار، مما أضفى على المنتدى بُعدًا قاريًا شاملًا بحق.
في ختام اجتماع مجلس رؤساء الدول، جرى توقيع حزمة مهمة من الوثائق، من بينها استراتيجية تطوير المنظمة حتى عام 2035، و«خريطة طريق» للتعاون في مجال الطاقة. كما انتقلت رئاسة المنظمة إلى باكستان. ويصعب المبالغة في تقدير أهمية هذا الموقع، لا سيما في ضوء الدور الذي تؤديه إسلام آباد حاليًا في الدبلوماسية الإقليمية.
ذلك يؤكد، مرة أخرى، أن منظمة شنغهاي للتعاون لم تعد منذ زمن ناديًا ذا نطاق تخصصي ضيق، بل تحولت إلى إحدى الركائز الأساسية للبنية المتعددة الأقطاب الآخذة في التشكل، إذ تجمعُ دولًا تضم أكثر من نصف سكان العالم حول مبادئ المساواة والاحترام المتبادل والتخلي عن عقلية التكتلات.
لكن، للأسف، ثمة اتجاه آخر لا يقل وضوحًا في ظل هذه التطورات. فما زالت بعض الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية، التي تعلن لفظيًا تمسّكها بـ«النظام القائم على القواعد»، تتصرف عمليًا وفق منطق مصالحها الجيوسياسية الخاصة حصرًا، وتعمل على زعزعة منظومة الأمن الجماعي القائمة. إن نهجها غير المسؤول، سواء تمثّل في محاولات فرض سيناريوهات تصادمية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أم في التدخل الهدّام في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط، بما فيها لبنان الذي عانى طويلًا، يؤدي إلى تآكل الثقة بين الشعوب ويغذّي بؤر التوتر في مناطق هي في أمسّ الحاجة إلى السلام والتعاون القائم على الثقة.
لهذا تحديدًا، تكتسب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أهمية خاصة مبادرة مفهوم الأمن الأوراسي التي طرحتها روسيا وبيلاروس، والتي تجسدت في الدعوة إلى إعداد «الميثاق الأوراسي للتنوع والتعددية القطبية في القرن الحادي والعشرين».
أهمية هذه المبادرة تكمن في أنها لا تمثل محاولة لإنشاء نادٍ مغلق جديد قائم على المصالح المشتركة. بل على العكس، تقوم فكرتها على دعوة جميع دول هذا الفضاء الشاسع، من دون خطوط فاصلة أو سجالات أيديولوجية، إلى حوار صريح حول مبادئ بناء منظومة قارية شاملة للأمن والتنمية والتعاون، مستندة إلى القانون الدولي وآخذة بعين الاعتبار المصالح المشروعة لكل دولة.
إن هذا النهج، الذي يجري العمل على دفعه قدمًا بصورة متسقة في أطر منظمة شنغهاي للتعاون، ورابطة الدول المستقلة، ومجموعة بريكس، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ينسجم مع روح العصر ويقدم بديلًا حقيقيًا وبنّاءً لنماذج الهيمنة الأحادية القطبية التي عفا عليها الزمن.
إنني على قناعة بأن مواصلة تعزيز هذه المبادرة، بالتوازي مع تنمية قدرات منظمة شنغهاي للتعاون، ستسهم في إقامة نظام عالمي أكثر عدلًا واستقرارًا وأمنًا.