خاص - إيست نيوز
في لبنان، لم يعد الحديث عن السيادة وقرار الحرب والسلم مجرد نقاش سياسي أو دستوري. خلف كل موقف سياسي، وكل تصعيد أمني، وكل مواجهة، هناك مواطن يدفع الثمن من أمنه وبيته وعمله ومستقبل أولاده.
المواطن اللبناني لم يعد يحتمل أن يعيش كل يوم على وقع سؤال: هل نحن أمام حرب جديدة؟ وهل ستبقى عائلتي في أمان؟ وهل سأتمكن من الذهاب إلى عملي والعودة إلى منزلي؟
في الجنوب، يدفع الأهالي الثمن المباشر للتوتر والتصعيد، فيما يدفع باقي اللبنانيين أثماناً أخرى عبر الخوف، والقلق الاقتصادي، وتراجع فرص العمل والاستثمار، وارتفاع كلفة المعيشة، وتعطّل الحياة الطبيعية.
وهنا تصبح مسؤولية الدولة أكبر من مجرد إصدار البيانات.
عندما تؤكد الدولة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الشرعية، فإن المواطن ينتظر أن يرى هذا القرار يتحول إلى واقع، لأن السيادة بالنسبة إليه ليست مصطلحاً سياسياً، بل حقه في أن يعيش بأمان تحت سقف دولة واحدة.
المواطن لا يريد أن يعرف فقط من يملك السلاح، ومن يملك القرار، ومن يختلف مع من.
هو يريد أن يعرف شيئاً أبسط: من يحميه؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يدفع هو الثمن؟
لا يجوز أن يبقى المواطن الحلقة الأضعف في كل أزمة. فهو الذي يخسر منزله عندما تقع المواجهات، وعمله عندما تتراجع الحركة الاقتصادية، ومدخراته عندما تهتز الأسواق، وتعليمه ومستقبله عندما تصبح البلاد أسيرة الأزمات المتلاحقة.
وفي المقابل، فإن استعادة الدولة لقرارها لا تعني التخلي عن الجنوب أو عن حق لبنان في الدفاع عن أرضه وسيادته. بل تعني أن يكون الدفاع عن لبنان من خلال دولة ومؤسسات وقرار وطني واضح، بحيث لا يتحول المواطن إلى من يدفع وحده ثمن قرارات لا يملك المشاركة فيها.
الدولة القوية ليست الدولة التي ترفع شعار السيادة فقط، بل التي تجعل المواطن يشعر بنتائج هذه السيادة في حياته اليومية.
فالسيادة تعني أن يعرف المواطن أن هناك مؤسسة مسؤولة عن أمنه، وقانوناً يحميه، وجيشاً ومؤسسات تدافع عنه، وسلطة سياسية تتحمل مسؤولية قراراتها أمامه.
أما أن يبقى المواطن يدفع الثمن، مرة من أمنه، ومرة من اقتصاده، ومرة من مستقبله، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة سياسية فقط، بل أصبحت أزمة دولة ومجتمع وحقوق.
اليوم، المطلوب من السلطة ليس المزيد من الشعارات، بل قرار واضح ومسؤولية واضحة ومحاسبة واضحة.
فالمواطن اللبناني تعب من أن يكون دائماً الطرف الذي يدفع الفاتورة.
تعب من الحروب، ومن الأزمات الاقتصادية، ومن الانهيار، ومن الخوف على المستقبل.
ومن حقه أن يسأل:
إلى متى يبقى المواطن هو من يدفع ثمن الخلاف على القرار؟
إن استعادة قرار الدولة ليست معركة بين اللبنانيين، بل حق للمواطن قبل أن تكون مطلباً سياسياً.
لأن المواطن لا يريد دولة تتحدث باسمه فقط…
بل دولة تحميه، وتتحمل المسؤولية عنه، وتمنحه حقه الطبيعي في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة.
وهنا، تحديداً، يبدأ الاختبار الحقيقي للسيادة:
عندما يصبح المواطن هو المستفيد الأول منها، لا الضحية الأولى لغيابها.