يفتح قرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية رقم 1124 لعام 2026، المتعلق باعتماد نظام الدفع والتحول الإلكتروني في سوريا، ثلاثة مسارات رئيسية لتحديث المنظومة المالية، تبدأ بتنظيم خدمات الدفع الرقمية، وتمتد إلى تطوير البنية المصرفية والتقنية، وصولاً إلى توسيع الاستثمار والربط التدريجي مع منظومات الدفع الإقليمية والدولية.
المسار الأول.. تنظيم منظومة دفع وطنية
يهدف القرار إلى تطوير منظومة دفع وطنية حديثة، وتوسيع خيارات الدفع والتحويل أمام المواطنين وقطاع الأعمال، وتسهيل حركة الأموال ورفع كفاءتها، من دون إلغاء التعامل النقدي أو فرض وسيلة دفع محددة.
وأوضح مصرف سوريا المركزي أن النظام ينظم عمل ثلاثة أنواع رئيسية من الجهات: مقدمي خدمات الدفع، ومقدمي خدمات النقود الإلكترونية، ومشغلي أنظمة الدفع، بما يسمح بتطوير حلول مالية متنوعة ضمن إطار تنظيمي ورقابي واضح.
كما يتيح النظام مساحة للابتكار والمنافسة والاستثمار في قطاع الخدمات المالية والتقنية، من خلال «مختبر تنظيمي» يسمح باختبار الحلول المالية المبتكرة تحت الرقابة قبل طرحها على نطاق أوسع، إلى جانب تعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية المستخدمين.
وأكد المصرف أن النظام يمهد لتكامل البنية المالية السورية تدريجياً مع منظومات الدفع الإقليمية والدولية، وفق المتطلبات القانونية والفنية والتجارية، من دون أن يعني ذلك بدء الربط أو التحويلات الدولية بشكل فوري.
المسار الثاني.. بنية تحتاج إلى تحديث وثقة تحتاج إلى بناء
ويرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن النظام يمثل خطوة نحو منظومة دفع رقمية يمكن أن تخفف الضغط على السيولة النقدية، وتوسع الشمول المالي عبر المحافظ الإلكترونية، وترفع كفاءة المعاملات وتخفض تكاليف تداول النقد.
وأشار إلى أن السجلات الرقمية للتدفقات المالية قد تعزز الشفافية وتساعد في تقليص الاقتصاد غير المنظم، إذا رافقتها حوافز تشجع المواطنين وقطاع الأعمال على اعتماد الدفع الإلكتروني.
لكن الانتقال إلى هذه المنظومة يتطلب، بحسب محمد، تحديث البنية الرقمية، وتوسيع انتشار نقاط البيع، وربط المزيد من المصارف، إلى جانب توفير اتصالات وإنترنت مستقرين وكهرباء موثوقة.
كما تشمل المتطلبات تطوير الأمن السيبراني وحماية البيانات، واعتماد أنظمة للتحقق من الهوية (KYC) وإجراءات مكافحة غسل الأموال (AML)، فضلاً عن تشريعات واضحة تنظم عمل شركات الدفع وتحمي حقوق المستخدمين.
من جهته، رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن اعتماد النظام يمثل خطوة تأسيسية لتحديث البنية المالية السورية، لكنه يحتاج إلى تحديث قانوني ومصرفي وتقني وبناء الثقة المجتمعية.
ولفت إلى أن القطاع المصرفي يمتلك مقومات أولية للتحول، إلا أن الأنظمة المصرفية والربط بين المصارف والبنية التقنية والأمن السيبراني تحتاج إلى استثمارات واسعة، في ظل تحديات تتعلق بالكهرباء والإنترنت ومحدودية مراكز البيانات وغياب هوية رقمية حكومية متكاملة.
المسار الثالث.. من تحديث الدفع إلى توسيع الاستثمار
ويأتي النظام الجديد ضمن مسار بدأه مصرف سوريا المركزي في مايو الماضي، بإصدار القرار رقم 259 ل.أ، الذي سمح للمؤسسات المالية المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة في سوريا بالتعامل مع شركات دفع عالمية، بينها Visa وMastercard.
ومن شأن هذه الخطوة تطوير خدمات الدفع للأفراد والشركات، وتسهيل استخدام البطاقات المصرفية العالمية، ودعم التجارة الإلكترونية والشركات الناشئة، إلى جانب نقل الخبرات والتقنيات الحديثة إلى السوق السورية.
وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان أن اعتماد نظام الدفع والتحويلات المالية يأتي ضمن جهود أوسع لتحديث البنية التحتية المالية، وتوسيع الوصول إلى خدمات رقمية سريعة وآمنة وموثوقة.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن تطوير منظومة الدفع المحلية وربطها تدريجياً بالمنظومات الإقليمية والدولية يمكن أن يدعم تحويلات السوريين والاستثمار والتجارة الإلكترونية، مشيراً إلى أن نجاح التحول لا يقاس بعدد الشركات المرخصة أو البطاقات والمحافظ، بل بحجم الاستخدام الفعلي، وانخفاض تكلفة المعاملات، واتساع قاعدة المستخدمين، ومستوى الثقة والأمان.
من القرار إلى التطبيق
يضع القرار 1124 الإطار التنظيمي للتحول نحو منظومة دفع إلكترونية في سوريا، لكن نجاحه على أرض الواقع سيبقى مرتبطاً باستكمال البنية التقنية والتشريعية، وتوسيع أدوات الدفع، وتوفير خدمات مستقرة وآمنة، والأهم بناء ثقة المواطن وقطاع الأعمال بالمنظومة المالية الرقمية