عاجل:

الحرب تقتل مرتين... السودان أمام انهيار صحي مخيف!

  • ١٥
لم تعد المستشفيات والمراكز الطبية في السودان ملاذًا آمنًا للمرضى والمصابين، بعدما حولتها الحرب المستمرة إلى أهداف للهجمات أو مبان مهجورة تفتقر إلى الأطباء والأدوية والكهرباء، في وقت كشفت به منظّمة الصحّة العالمية عن تصاعد غير مسبوق للاعتداءات على الرعاية الصحية في مناطق النزاعات حول العالم.

وبحسب بيانات حديثة للمنظمة، شهد العالم منذ بداية عام 2026 أكثر من 900 اعتداء على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها، بمعدل يتجاوز أربعة اعتداءات يوميا، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 900 شخص وإصابة أكثر من 1400 آخرين.

وشملت الاعتداءات قصف المستشفيات وتدمير المراكز الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب احتجاز العاملين الصحيين أو اختطافهم، وسجلت المنظمة احتجاز 94 من العاملين في المجال الطبي منذ بداية العام، في مؤشر على اتساع الانتهاكات التي تهدد قدرة الأنظمة الصحية على إنقاذ المصابين ومكافحة الأمراض.

ويبرز السودان بين الدول الأكثر تضررا، إذ أدت أكثر من 3 سنوات من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى شل أجزاء واسعة من القطاع الصحي، وحرمان ملايين السكان من أبسط أشكال الرعاية الطبية.

أكثر من ثلث المرافق خارج الخدمة

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 37 بالمئة من المرافق الصحية في ولايات السودان الـ18 أصبحت خارج الخدمة، بسبب القصف والتدمير ونقص الكوادر والأدوية والمعدات وانقطاع الكهرباء والمياه وتعطل سلاسل الإمداد.

وتزداد النسبة بصورة أكبر في المناطق التي تشهد قتالا مستمرا، خصوصا في دارفور وكردفان، حيث أغلقت مستشفيات أبوابها بالكامل، بينما تعمل منشآت أخرى بصورة جزئية وفي ظروف شديدة الخطورة.

ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تحققت منظمة الصحة العالمية من 217 اعتداء على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها في السودان، أسفرت عن مقتل 2052 شخصا وإصابة 810 آخرين، وفق آخر حصيلة تفصيلية نشرتها المنظمة عن البلاد.

ولا تشمل هذه الأرقام بالضرورة جميع الاعتداءات، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق القتال وانقطاع الاتصالات ومحدودية القدرة على جمع المعلومات والتحقق منها.

وتقول المنظّمة إن المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين والمرضى تعرضوا مرارا للهجمات، مما أدى إلى تقليص فرص الحصول على العلاج، خصوصا في المناطق التي أُغلقت مرافقها بسبب تدمير المباني والمعدات أو فرار الكوادر الطبية.

ملايين بلا رعاية صحية

تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 21 مليون شخص في السودان لا يحصلون على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها، من بين 34 مليونا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.

وتأتي أزمة القطاع الصحي بالتزامن مع انتشار واسع للأمراض وسوء التغذية، إذ يواجه أكثر من 4 ملايين شخص خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، مما يزيد تعرضهم للمضاعفات والأوبئة.

وسجلت ولايات سودانية عدة تفشيا للملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والدفتيريا، في وقت تراجعت به قدرة المستشفيات والمختبرات على الكشف المبكر عن الأمراض وعلاج المصابين.

ويؤدي نقص المياه النظيفة وتضرر شبكات الصرف الصحي والاكتظاظ الشديد في مخيمات النزوح إلى تسريع انتشار العدوى، خصوصًا الكوليرا، وسط الأطفال والنساء وكبار السن.

كما أجبرت الحرب المرضى في مناطق واسعة على قطع مسافات طويلة ومحفوفة بالمخاطر للوصول إلى أقرب مرفق صحي يعمل، بينما يموت آخرون بسبب تعذر الحصول على الدواء أو وسائل النقل أو تكلفة العلاج.

المستشفيات في مرمى النار

تمثل الهجمات التي طالت مستشفيات دارفور وكردفان نموذجا صارخا لحجم الخطر الذي يواجه القطاع الصحي، ففي مارس الماضي أدى قصف جوي نفذه الجيش على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور إلى مقتل عشرات الأشخاص، بينهم أطفال وعاملون في المجال الصحي، وإخراج المستشفى من الخدمة.

وكان المستشفى يشكل مرفقا مرجعيا حيويا لمئات الآلاف من السكان في شرق دارفور والمناطق المجاورة، ولذلك لم تقتصر آثار الهجوم على الضحايا المباشرين، بل امتدت إلى حرمان تجمعات سكانية واسعة من الجراحة والرعاية الطارئة وخدمات النساء والأطفال.

كما تعرضت مرافق صحية في كردفان لأضرار مباشرة، بالتزامن مع تصاعد القتال والهجمات بالمسيّرات، وتعطلت مراكز طبية في مناطق أخرى بسبب نفاد الأدوية أو انسحاب المنظمات التي كانت تمول تشغيلها.

وفي بلدة شعيرية بولاية شرق دارفور، توقف قسم الولادة والصيدلية في مركز صحي يخدم أكثر من 5 آلاف شخص، بعد انتهاء عقد المنظمة التي كانت تتولى تشغيله، ويعمل المختبر حاليا بقدرات محدودة وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

وفي طويلة بشمال دارفور، أدى الاكتظاظ ونقص المياه الآمنة وتدهور خدمات الصرف الصحي إلى انتشار الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي وأمراض معدية أخرى بين مئات الآلاف من النازحين، في حين زادت الأمطار والسيول صعوبة تقديم الخدمات الصحية.

انهيار يتجاوز آثار القصف

ولا تقتصر الأزمة الصحية على تدمير المستشفيات، بل تشمل أيضا انهيار المنظومة التي تتيح لها العمل، فقد أدت الحرب إلى هجرة أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين، وتعطل الإمدادات الطبية، وصعوبة نقل الأدوية واللقاحات والوقود بين الولايات.

كما تسبب انقطاع الكهرباء في توقف أجهزة العناية المكثفة والمختبرات وحفظ الدم واللقاحات، بينما أدى نقص الوقود إلى تعطيل سيارات الإسعاف ومولدات المستشفيات.

وفي المناطق المحاصرة أو المعزولة، أصبحت المنشآت الطبية تعتمد على مبادرات المتطوعين وغرف الطوارئ، التي تعمل بإمكانات محدودة وتحت خطر القصف والاعتقال ونفاد الإمدادات.

ورغم تمكن منظمة الصحة العالمية وشركائها منذ اندلاع الحرب من إيصال أكثر من 3300 طن من الأدوية والمستلزمات، وتوفير خدمات أساسية لأكثر من 4.1 مليون شخص، فإن حجم الاحتياجات يتجاوز بكثير القدرة المتاحة، في ظل استمرار القتال وصعوبة الوصول ونقص تمويل عمليات الإغاثة.

اعتداءات بلا محاسبة

ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المستشفيات والعاملين الصحيين والمرضى وسيارات الإسعاف، ويلزم أطراف النزاعات باحترام المرافق الطبية وحمايتها وتسهيل وصول الإمدادات والعاملين إليها.

لكن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن آلاف الهجمات التي وثقتها على الرعاية الصحية في مناطق النزاعات منذ بدء آلية الرصد العالمية لم تؤد إلى إجراءات محاسبة تتناسب مع حجم الانتهاكات.

ويشجع غياب المساءلة على تكرار الاعتداءات، ويحول المستشفيات من أماكن لإنقاذ الحياة إلى ساحات إضافية للحرب، في وقت يدفع فيه المرضى والعاملون الصحيون ثمن الإفلات المستمر من العقاب.

وتحذر المنظمة من أن تدمير المرافق الصحية لا يؤدي فقط إلى سقوط قتلى وجرحى لحظة الهجوم، بل يسبب وفيات غير مباشرة قد تستمر سنوات، نتيجة توقف علاج الأمراض المزمنة وتعطل خدمات الولادة والتطعيم والجراحة ومكافحة الأوبئة.

الحرب تقتل مرتين

تكشف الأرقام أن الحرب في السودان لا تقتل بالقصف والرصاص وحدهما؛ فهي تقتل مرة أخرى عندما تغلق مستشفى، أو تمنع وصول دواء، أو تجبر طبيبا على الفرار، أو تترك طفلا مصابا بسوء التغذية من دون علاج.

فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيدا من المرافق الخارجة عن الخدمة، ومزيدا من المناطق المحرومة من الرعاية، واتساعا في انتشار الجوع والأوبئة والوفيات التي كان يمكن منعها.

وبعد أكثر من 3 سنوات من الحرب، لم يعد انهيار النظام الصحي أثرًا جانبيًا للمعارك، بل أصبح واحدا من أخطر وجوهها وأكثرها فتكا بالمدنيين، واستمرار القتال، رغم كل هذه الكلفة، يمثل إمعانا في تدمير حق السودانيين في الحياة والعلاج والأمان.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حربا دامية بين الجيش وقوات الدعم السريع، خلفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين، وسط أزمة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.
المنشورات ذات الصلة