حيدر صبي -العراق
في لحظات التحول الكبرى، لا تعلن الأنظمة الإقليمية نهاية عهدها ببيان رسمي، ولا تولد الأنظمة الجديدة دائماً عبر مؤتمرات تحمل عناوين تاريخية. أحياناً تبدأ التحولات الحقيقية عندما تبدأ الدول بتغيير حساباتها، وإعادة تعريف مصالحها، وبناء ترتيبات جديدة قبل أن تجد هذه التحولات اسماً واضحاً لها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاقية مكة بوصفها أكثر من مجرد تفاهم سياسي أو أمني بين أطراف إقليمية. فالقيمة الاستراتيجية لأي اتفاق تكمن في اللحظة التي يظهر فيها، وفي الأسئلة التي يكشفها. وربما يكون السؤال الأوسع الذي تطرحه هذه اللحظة هو: هل بدأ الشرق الأوسط مرحلة انتقالية تتجاوز النظام الإقليمي الذي تشكل بعد عام 1979؟
فالثورة الإيرانية عام 1979 كانت نقطة تأسيس لنظام إقليمي جديد. فقد حملت معها تصوراً مختلفاً للعلاقة بين الدولة والعقيدة، وبين الحدود الوطنية والمشروع السياسي العابر للحدود. ومنذ ذلك التاريخ دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة أصبحت فيها الأيديولوجيا أحد مصادر القوة، وأصبحت الشبكات المرتبطة بها أدوات مؤثرة في موازين الإقليم.
لقد اعتمد هذا النموذج على ثلاثة عناصر رئيسية: " أولها تصدير الثورة كأداة نفوذ تتجاوز الجغرافيا الإيرانية، وثانيها صعود تيارات الإسلام السياسي بمختلف اتجاهاتها باعتبارها قوى قادرة على العمل خارج إطار الدولة التقليدية، وثالثها استمرار اعتماد عدد من الدول العربية على المظلة الأمنية الخارجية لموازنة اختلالات القوة في المنطقة " .
لكن النظام الذي تشكل بعد 1979 لم يكن ثابتاً. فقد تغيرت البيئة التي سمحت له بالتمدد. فالدول التي واجهت صعود النفوذ غير الرسمي لعقود بدأت تعيد النظر في أدواتها، ليس فقط عبر موازنة القوة، وإنما عبر محاولة استعادة مركزية الدولة باعتبارها الفاعل الأساسي في النظام الإقليمي.
فالتحولات الكبرى تحدث عندما تفقد البيئة التي كانت تمنحها القدرة على الحركة.
والقوى التي تعتمد على الفراغات السياسية، والانقسامات الداخلية، وضعف المؤسسات، تواجه تحدياً مختلفاً عندما تبدأ الدول بإعادة بناء قدراتها واستعادة قرارها الوطني.
لهذا فإن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يدور فقط حول من يملك النفوذ، وإنما حول شكل النفوذ نفسه. هل سيبقى المستقبل رهناً بشبكات عابرة للحدود تعمل داخل الدول وخارجها؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد عودة تدريجية للدولة باعتبارها الوحدة الأساسية في السياسة الإقليمية؟
من هنا تظهر فكرة الردع متعدد الطبقات بوصفها أحد ملامح المرحلة الجديدة. فالردع لم يعد محصوراً بالقوة العسكرية،اذ أصبح مزيجاً من القدرة السياسية، والاستقرار الاقتصادي، والتحالفات الدبلوماسية، وقوة المؤسسات الداخلية. فالدولة القادرة على حماية قرارها الداخلي وتقليل نقاط ضعفها تصبح أقل قابلية للاختراق، وأقل حاجة الى الاعتماد على ترتيبات أمنية خارج بنيتها الوطنية.
لكن اختبار هذه التحولات الحقيقي يبقى في العراق.
فالعراق ليس مجرد ساحة ضمن الصراع الإقليمي فحسب ، بل هو المكان الذي تتقاطع فيه معظم خطوط هذا الصراع. فمنذ عام 2003 أصبح العراق نموذجاً واضحاً للسؤال الأكبر الذي يواجه الشرق الأوسط: ماذا يحدث عندما تتراجع الدولة، وتدخل مشاريع متعددة لتملأ الفراغ؟
فخلال العقدين الماضيين كانت الأزمة العراقية انعكاس لصراع أوسع بين الفرقاء السياسيين حول طبيعة الدولة نفسها. بين تصور يرى العراق جزءاً من شبكة نفوذ إقليمية ممتدة، وتصور آخر يحاول إعادة تعريفه كدولة ذات قرار سيادي ومصالح وطنية مستقلة.
ولهذا فإن مستقبل العراق قد يكون المؤشر الأكثر دلالة على اتجاه المنطقة. فإذا نجحت بغداد في بناء توازن بين علاقاتها الإقليمية والدولية، وتعزيز مؤسساتها الأمنية والسياسية، فقد تمثل نموذجاً لمرحلة جديدة تتراجع فيها منطق الوكالة لصالح منطق الدولة.
أما إذا بقي العراق أسير معادلة النفوذ المتعدد، فقد يكون ذلك دليلاً على أن النظام القديم لم ينتهِ، وإنما يعيد إنتاج نفسه بأدوات جديدة.
وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة؛ فالمعادلة القادمة في الشرق الأوسط ستُحسم وفيما توافرت القدرة على بناء نموذج سياسي قادر على الاستمرار. فالقوى التي تستطيع صناعة مؤسسات مستقرة هي التي ستحدد شكل النظام المقبل، لا القوى التي تستطيع فقط تحريك الأزمات.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية النظام الذي ولد بعد 1979 يحتاج الى قدر من الحذر. فالتاريخ لا يتحرك بخطوط مستقيمة، والقوى التي بنت نفوذها خلال عقود لا تختفي بمجرد تغير الظروف. لكن المؤشرات تشير الى أن الأدوات التي سمحت لهذا النظام بالتمدد لم تعد تعمل بالفاعلية نفسها، وأن المنطقة دخلت مرحلة مراجعة عميقة لقواعدها القديمة.
قد لا تكون اتفاقية مكة إعلاناً عن ولادة نظام شرق أوسطي جديد، لكنها قد تكون إحدى العلامات التي تكشف أن مرحلة ما بعد 1979 لم تعد كما كانت.
واتفاقية مكة ما يبدو انها لن تقف حول السؤال الذي يواجه الشرق الأوسط : من سينتصر في الصراع القديم ؟ بل ستتخطاه الى سؤال اعمق حول من له القدرة على صياغة قواعد المرحلة القادمة؟ .