عاجل:

قبول حماس التفاوض على سلاحها... لماذا أثار قلق إيران؟

  • ٢١

أثمرت أشهر طويلة من المفاوضات الشاقة والتفاوض الماراثوني بين الولايات المتحدة وحركة حماس والدول الوسيطة عن صياغة مسودة اتفاق.

 ورغم أن هذه الخطوة لم تتوج حتى اللحظة بالتوقيع النهائي، إلا أن قبول حركة حماس بالتفاوض حول سلاحها أربك طهران وأثار قلقها وانزعاجها، واعتبرت هذا التحرك خروجا عن خطتها المعروفة "وحدة الساحات".

طرحت البنود التي تم نشرها تحديات جسيمة، تفرض عقد جولة إضافية واحدة على الأقل من المحادثات في مصر بمشاركة قطر وتركيا والولايات المتحدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها ستكون المحطة الختامية لمسار التفاوض الحالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء ومتابعون للملف الإقليمي أن جملة من القضايا الجوهرية غير المحسومة ما زالت تقف عقبة أمام إبرام الاتفاق النهائي، يأتي في مقدمتها الجدول الزمني لمراحل التنفيذ التالية، وطبيعة وصلاحيات قوة الاستقرار الدولية التي تقتصر حالياً على مراقبة ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الفاصل بين مناطق السيطرة الإسرائيلية وتلك الخاضعة لسلطة حماس.

يضاف إلى ذلك آليات التدقيق والحياد الخاصة برجال الشرطة المحليين المخولين بتنفيذ المهام الأمنية، وفحص السير الذاتية للشخصيات المعينة في اللجنة التكنوقراطية لإدارة قطاع غزة.

المعضلات العسكرية وحجم الانسحاب

وبعيداً عن الملفات الإدارية والعسكرية العاجلة، كالنطاق الجغرافي للانسحاب الإسرائيلي خلال المرحلة الأولى، وطبيعة العمليات العسكرية التي سيسمح لإسرائيل بالقيام بها والقيود المفروضة عليها، يرى المحللون أن هناك سؤالين محوريين سيحددان ما إذا كان هذا المسار سيمضي قدماً وكيفية تحققه.

فبحسب تقرير لصحيفة "هآرتس"، العبرية، يتمثل الأول حول إذا ما سيبدأ تطبيق الاتفاق بالتوازي مع نزع سلاح حركة حماس، أم أن الانسحاب الإسرائيلي لن ينطلق إلا بعد التسليم الفعلي والتام للسلاح؟ وحتى في هذه الحالة، فإن مفهوم "تفكيك السلاح" أو "تجريده" في هذا السياق يتطلب توضيحاً دقيقاً وحاسماً.

أما الثاني فيخص الخيارات والبدائل المتاحة أمام إسرائيل في حال انهارت كافة التفاهمات وفشل الأطراف في التوصل إلى اتفاق نهائي.

في هذا السياق، يشير مراقبون للشأن الإسرائيلي إلى أن حركة حماس تتحدث عن "تعطيل وتجميد استخدام السلاح" بدلاً من تفكيكه وإنهائه، ومن منظور الحركة، فإن مجرد موافقتها على إيداع أسلحتها الثقيلة (دون الأسلحة الشخصية) لدى اللجنة التكنوقراطية الإدارية لغزة لا يعد تنازلاً نابعاً من الهزيمة أو الاستسلام.

ولفتوا إلى أن خطوة كهذه ستتطلب من إسرائيل منح حماس مكاسب دبلوماسية في شكل تنازلات متبادلة وفورية، تشمل الوقف التام للعمليات العسكرية في غزة والبدء الفعلي بانسحاب الجيش الإسرائيلي.

وأشار التقرير العبري إلى أنه في حال تم تنفيذ ذلك، سيعيد الجيش الإسرائيلي انتشار قواته متراجعاً إلى "الخط الأصفر" الأصلي، مما يقلص المساحة الخاضعة لسيطرته بنسبة 15% تقريباً، ويعيد القوات تقريباً إلى الحدود المتاخمة لـ"الخط الأخضر" (خط الهدنة لعام 1949)، باستثناء حزام أمني محدد لا تزال تفاصيله ونطاقه موضوعاً لمفاوضات معقدة.

قرار تاريخي وتحول في هوية حماس

من جانبهم، يلفت الخبراء إلى أن حركة حماس ترى أنها قدمت بالفعل تنازلات جوهرية مرتين: الأولى عندما وافقت على التخلي عن سلطتها المدنية المباشرة في غزة والتعاون مع اللجنة التكنوقراطية، وهو ما يعني عملياً التعاطي مع "مجلس السلام" التابع لإدارة ترامب.

والثانية عندما قبلت مبدئياً فكرة تسليم السلاح إلى قوة فلسطينية تسند إليها إدارة القطاع مستقبلاً.

يشدد المراقبون هنا على أن التنازل الأخير يشكل قراراً غير مسبوق يمس جوهر هوية حماس ووجودها، فمنذ تأسيسها، رفعت الحركة شعار "المقاومة المسلحة" ضد إسرائيل كركيزة أساسية، ورامية بعرض الحائط مطالبات الرئيس الفلسطيني محمود عباس المتكررة بالتخلي عن السلاح كشرط للانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ناظرة إلى نفسها كعنصر لا يتجزأ من "حلقة النار" الإقليمية التي تقودها إيران.

سلاح حماس كورقة مساومة

وللمرة الأولى، تضع حماس سلاحها على طاولة التفاوض كورقة مساومة في محادثات لن تحدد مستقبل غزة فحسب، بل ستحدد المستقبل السياسي للحركة نفسها.

ويرى التقرير أن هذا القرار قد يكون الأكثر تأثيراً وحسماً في تاريخ حماس، وإذا ما قدر له التطبيق، رغم وجود أسباب مشروعة للشك والريبة في هذه المرحلة، فقد يجبر الحركة على إعادة تقييم شاملة ومطولة لسبب وجودها وهويتها ومسارها السياسي.

وفي هذا الصدد، ينوه المحللون إلى نقطة لافتة وهي أن هذا القرار اتخذ من قبل خليل الحية، الذي فاز مؤخراً بفارق صوت واحد برئاسة المكتب السياسي لحركة حماس خلفاً لقيادتها السابقة، ليصبح عملياً الرجل الأول في الحركة.

الحية والمحور الإيراني

وقد عرف الحية الذي اُعتقل في السجون الإسرائيلية خلال التسعينيات ونجا من محاولات اغتيال إسرائيلية في عامي 2007 و2014، وقصف استهدف مقره بالدوحة العام الماضي، بقربه التاريخي من المحور الإيراني داخل حماس، على عكس منافسه خالد مشعل الذي اختلف مع نظام الأسد وسوريا خلال الحرب الأهلية مما تسبب في جفاء وتوتر العلاقات بين حماس وإيران لنحو عقد من الزمان.

واليوم، يتخذ الحية قراراً يتضارب بشكل مباشر مع التوجهات الاستراتيجية لطهران، بحسب التقرير العبري.

الانزعاج الإيراني وتآكل "وحدة الساحات"

على صعيد آخر، يرى خبراء في الشؤون الإقليمية أن طهران، التي تخوض بالأساس معركة عسيرة لمنع حكومتي لبنان والعراق من تفكيك الميليشيات المسلحة الموالية لها، تنظر إلى قرار حماس باعتباره خرقاً خطيراً في استراتيجيتها الإقليمية المتمثلة فيما يسمى بـ"وحدة الساحات".

ومن منظور إيران، فإن سابقة كهذه، بحسب ما يؤكده المتابعون، قد تؤثر على حسابات الميليشيات الشيعية التي أبدى بعضها استعداداً لتسليم السلاح، فضلاً عن ميليشيا حزب الله في لبنان؛ بعد أن رفضت كلياً مبدأ نزع السلاح حتى مقابل انسحاب إسرائيلي كامل، مشترطة أن تكون مراجعة السلاح جزءاً من توافق وطني استراتيجي يحفظ مكانتها الدفاعية داخل الدولة اللبنانية.

ويوضح المحللون السياسيون أن هذا لا يعني بالضرورة أن إيران ستنهي دعمها لحماس أو تقطع علاقاتها بها بالكامل، حتى وإن أصرت طهران على أنها لم تكن على علم مسبق بهجوم السابع من أكتوبر.

ولكن، إذا كانت إيران قبل الحرب تتمتع بنفوذ واسع يمكنها من توجيه سلوك حماس عبر علاقتها بالقيادة السياسية السابقة برئاسة إسماعيل هنية، وتبعية حركة الجهاد الإسلامي الشبه كاملة للتمويل الإيراني، فإنها تجد نفسها اليوم في موقف مختلف تماماً.

يضيف التقرير العبري، أن كلا من قطر وتركيا ومصر تدير الآن "ملف غزة" بالتنسيق المباشر مع الولايات المتحدة. وفي حين استطاعت إيران لفترة ما الحفاظ على تماسك "وحدة الساحات" في لبنان عبر ربط المفاوضات بوقف كامل لإطلاق النار، إلا أنها تلقت ضربة دبلوماسية حين مضت الحكومة اللبنانية في مسار المحادثات مع إسرائيل، أما في غزة، فقد تآكل نفوذ إيران ورافعة ضغطها بشكل ملحوظ.

حسابات ترامب واستراتيجية التصعيد الإسرائيلي

وبطريقة مفارقة، يتفق الخبراء على أن مكان ومستقبل النفوذ الإيراني في كل من غزة ولبنان لن يعتمد على قدرتها الذاتية على التثبيت والتحكم، بل سيعتمد بالأساس على طريقة تطبيق إسرائيل للاتفاقات، وقبل كل شيء، على كيفية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهذا المسار.

والسبب في ذلك يعود، وفقا لهم، إلى أن قطاع غزة لم يعد ساحة معزولة، بل تحول إلى جزء رئيسي من الحملة الإقليمية الشاملة ضد إيران، وهو ما يضع إسرائيل أمام مأزق تقييم خياراتها الميدانية، فالافتراض السائد لدى الأوساط الإسرائيلية بأن حماس لن تلتزم ببنود الاتفاق ولن تجرد سلاحها يدفع نحو نتيجة مفادها أنه لا بديل عن تجديد القتال وتوسيع نطاق احتلال قطاع غزة.

ومع ذلك، ينوه المتابعون للشأن الأمريكي إلى أن المفسر والموجه الحقيقي والوحيد لهذه التفاهمات هو دونالد ترامب، الذي يغلف إصراره على نزع سلاح حماس وحزب الله بمرونة واقعية وعملية، إذ وافق ترامب على عملية نزع سلاح مرحلية تبدأ بنقل الأسلحة الثقيلة إلى "مجلس السلام"، لكنه لم يحسم بعد موقف السلاح الشخصي لعناصر حماس، كما لم يتضح كيفية تعامله مع الاعتراضات الإسرائيلية بشأن الجدول الزمني ونطاق الانسحاب.

ويرى المحللون السياسيون أنه من المرجح، كما هي حال مقاربته تجاه إيران والمسار السياسي في لبنان، أن يتردد ترامب في منح إسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف الحرب سريعاً في غزة، خوفاً من تقويض ما يعتبره "إنجازاً تاريخياً" ونجاحاً يضاف لـ"مسار السلام" الإقليمي الذي يرعاه.

انتصارات عسكرية سريعة

يشير التقرير العبري إلى أن ترامب يدرك أن "النهج الإسرائيلي" الذي يركز على تحقيق انتصارات عسكرية خاطفة وسريعة قد فشل مراراً في تحقيق استقرار دائم، وأنه هو من يتحمل تبعات ولملمة تداعيات تلك التكتيكات.

وأضاف أن السماح لإسرائيل بإعادة إشعال الحرب في غزة، وما قد يترتب عليه من استيلاء كامل على معظم أراضي القطاع ووضع نحو مليونين من سكان غزة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، لن يكون مجرد أزمة إنسانية، بل سيخلق مخاوف جادة من تهجير جماعي، ويشعل ردود فعل إقليمية ودولية غاضبة، في وقت تسعى فيه واشنطن جاهدة لإيجاد مخرج ينقذها من التشابك والصدام المباشر مع إيران.

المنشورات ذات الصلة