عاجل:

الأطباء والمهندسون يرحلون... إسرائيل تواجه أزمة غير مسبوقة!

  • ١٢

تواجه إسرائيل موجة هجرة غير مسبوقة بدأت تلامس مستويات قياسية، مع مغادرة عشرات الآلاف سنويًا، بينهم أطباء ومهندسون وأكاديميون وأصحاب دخل مرتفع، ما يثير مخاوف متزايدة من تحوّل الظاهرة إلى تهديد استراتيجي للاقتصاد والأمن والمجتمع إذا استمر منحناها التصاعدي خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقرير للصحافي موشيه كوهين في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أظهرت دراسة جديدة أعدها فريق من الباحثين في جامعة تل أبيب أن 268,509 إسرائيليين غادروا إسرائيل بين عامي 2023 و2025 لمدة لا تقل عن 3 أشهر متواصلة، وهو رقم قياسي مقارنة بالسنوات السابقة.

وللمقارنة، غادر إسرائيل خلال الفترة المماثلة من العقد السابق، بين عامي 2013 و2015، نحو 183,219 شخصًا فقط لمدة 3 أشهر متواصلة.

وتشمل هذه الأرقام أيضًا عددًا كبيرًا من الشبان الإسرائيليين الذين يغادرون في ما يُعرف بـ"الرحلة الكبرى" بعد انتهاء خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، والتي تمتد أحيانًا لأشهر طويلة قبل عودتهم إلى البلاد.

إلا أن معدّي الدراسة أوضحوا أن هذه الرحلات كانت موجودة أيضًا قبل عقد من الزمن، معتبرين أن "المعطى المثير للقلق هو القفزة في العدد الإجمالي مقارنة بالسنوات السابقة، فرغم أن قسمًا منهم سيعود على الأرجح، فإن جزءًا كبيرًا لن يعود، كما أن كثيرين من المغادرين هم من أصحاب التعليم العالي".

وأظهرت الدراسة، المستندة إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، أن 90,922 إسرائيليًا غادروا البلاد عام 2025 لمدة 3 أشهر متواصلة أو أكثر، وهو رقم قريب من عدد المغادرين في عام 2024، الذي بلغ 91,499، وأعلى بقليل من عام 2023، حين بلغ العدد 86,509.

وأعدّ الدراسة البروفيسور إيتي أتر من كلية كولر للإدارة، ورئيس منتدى الاقتصاديين من أجل الديمقراطية، والبروفيسور نيتاي برغمان، رئيس كلية الاقتصاد، ودورون زمير، طالب الدكتوراه في كلية كولر للإدارة، وجميعهم من جامعة تل أبيب.

وأوضح الباحثون أنهم استخدموا في منشورات سابقة حول الهجرة من إسرائيل، صدرت في شباط 2026، مقياس المغادرة لمدة 12 شهرًا أو أكثر، إلا أن بيانات هذا المؤشر لعام 2025 لن تصبح متاحة قبل مطلع عام 2027.

وأضافوا: "من أجل رصد اتجاهات الهجرة منذ الآن وعدم انتظار عام 2027، نعرض بيانات المغادرة من إسرائيل بالاستناد إلى مقياس الخروج لمدة 3 أشهر على الأقل".

ولإثبات أن مؤشر الأشهر الـ3 يعكس بصورة فعالة مؤشر الـ12 شهرًا، عرضت الدراسة رسومًا بيانية تقارن أعداد المغادرين وفق المقياسين.

وأظهرت المقارنة أن درجة الترابط بين السلسلتين مرتفعة جدًا، إذ بلغت 0.96، ما دفع الباحثين إلى اعتبار الإقامة خارج إسرائيل لمدة 3 أشهر متواصلة مقياسًا فعالًا لتقدير حجم الهجرة وفق مؤشر الـ12 شهرًا.

وبناءً على ذلك، قدّر الباحثون أنه إذا استمر الترابط نفسه خلال عام 2025، فإن عدد الإسرائيليين الذين غادروا لمدة 12 شهرًا أو أكثر سيتراوح بين 45 و50 ألف شخص.

وأكدت الدراسة أن موجة الهجرة التي بدأت عام 2023 استمرت خلال عام 2025، ولا تزال عند مستويات قياسية.

وقال البروفيسور أتر: "نرى أيضًا في عام 2025 أعدادًا مقلقة جدًا من الإسرائيليين الذين غادروا البلاد لفترة زمنية طويلة، وينضمون بذلك إلى موجة الهجرة المسجلة في عامي 2023 و2024".

وأضاف: "هذه الأرقام لا تشكل في حد ذاتها خطرًا على صمود إسرائيل في الوقت الراهن، لكن من منظور مستقبلي، وإذا لم يحدث تغيير، يتزايد الخوف من تصاعد الهجرة بطريقة تهدد الأمن والاقتصاد الإسرائيليين".

وأشار معدّو الدراسة إلى أن هجرة الإسرائيليين إلى الخارج تشغل النقاش العام منذ سنوات طويلة، وتظهر أحيانًا تحت عنوان "هجرة الأدمغة"، وأحيانًا ضمن أحكام أخلاقية بحق المغادرين، مثل وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين لهم في حينه بأنهم "ساقطون من الضعفاء".

ولفت الباحثون إلى أن النقاش عاد بقوة أكبر بعد انتخابات تشرين الثاني 2022، في ظل الدفع نحو الإصلاح أو الانقلاب القضائي والاحتجاجات الشعبية التي رافقته، ثم تصاعد أكثر خلال حرب "السيوف الحديدية" التي اندلعت في 7 تشرين الأول.

وشدد الباحثون على أن توفير بيانات حديثة حول خصائص الهجرة يعد أمرًا بالغ الأهمية من أجل بلورة سياسة عامة مناسبة، وإعطاء الجمهور والحكومة الأدوات اللازمة لفهم حجم الظاهرة وتداعياتها المحتملة على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين.

وحذّروا من أن النقاش العام في إسرائيل يفتقر إلى معطيات حديثة بشأن حجم الهجرة وخصائصها، رغم الأهمية البالغة للقضية، موضحين أن الدراسة تحاول سد جزء من هذه الفجوات عبر تحليلات وتصنيفات إضافية.

وأُجريت الدراسة داخل غرفة الأبحاث التابعة لدائرة الإحصاء المركزية، واعتمدت على بيانات الهجرة من إسرائيل وإليها، إلى جانب معلومات تفصيلية على مستوى الأفراد.

وشملت البيانات معلومات التعليم الصادرة عن مجلس التعليم العالي، وتراخيص مزاولة المهن من وزارة الصحة، إضافة إلى بيانات الدخل والضرائب من سلطة الضرائب.

كما شملت الدراسة معلومات تتعلق بالسكان الإسرائيليين بين عامي 2009 و2025.

وجاء في الدراسة أن "النتائج تشير إلى ارتفاع كبير في عدد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد. وبعد سنوات طويلة من الاستقرار النسبي في ميزان الهجرة، تظهر البيانات خروجًا من حالة التوازن".

وأضاف الباحثون أن قرابة 270 ألف إسرائيلي غادروا خلال الأعوام من 2023 إلى 2025، بمتوسط نحو 90 ألفًا سنويًا، مقارنة بنحو 60 ألفًا سنويًا خلال العقد الممتد من 2010 إلى 2019.

وأشار معدّو الدراسة إلى أنهم رصدوا، في وثيقة سابقة، "ارتفاعًا كبيرًا ومقلقًا في أعداد الأطباء وحملة الدكتوراه والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الدخل المرتفع الذين يغادرون إسرائيل".

وأوضحوا أن ظاهرة الهجرة ليست حصرية بإسرائيل، إذ شهدت دول أخرى، بينها اليونان والمجر وفنزويلا والأرجنتين وجنوب أفريقيا ولبنان، هجرة واسعة لفئات قوية ومتعلمة من سكانها.

لكنهم حذّروا من أن تداعيات الهجرة من إسرائيل قد تكون أكثر قسوة وخطورة مقارنة بدول أخرى، لأن الاقتصاد الإسرائيلي لا يمتلك وفرة في الموارد الطبيعية، ويعتمد بصورة كبيرة على رأس المال البشري النوعي المتمركز في قطاع التكنولوجيا المتقدمة ومجالات أخرى قائمة على المعرفة.

وأكدت الدراسة أن قطاعات أساسية في الاقتصاد الإسرائيلي، مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تشكل محركًا رئيسيًا للنمو، والخدمات الطبية المتطورة، والقطاع الأكاديمي الداعم للنمو، تعتمد على عدد محدود نسبيًا من العاملين الذين يعد وجودهم ضروريًا لنجاح هذه الأنشطة.

وحذّرت من أن مغادرة هؤلاء العاملين ستشكل ضربة قاسية لهذه القطاعات، وتهديدًا للاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين بأكملهما.

ومع ذلك، شدّد الباحثون على أن الزيادة الحالية في الهجرة، رغم أهميتها وخطورتها، لا تشكل حتى الآن تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الإسرائيلي.

ورأوا أن الخطر الحقيقي يكمن في الخروج من حالة التوازن، وفي احتمال استمرار ارتفاع أعداد المغادرين بدل بقائها عند المستويات الراهنة.

وحذّروا من أن "صدمات سلبية إضافية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية، قد تشعل آليات تغذية راجعة تؤدي إلى قفزة مفاجئة وحادة في أعداد المهاجرين، بحيث يزيد كل شخص يغادر من حوافز الآخرين على الرحيل".

وأضافوا: "منذ اللحظة التي تتجاوز فيها أعداد المهاجرين حدًا معينًا، سيصبح عكس الاتجاه صعبًا للغاية، وربما مستحيلًا، وستكون لذلك تداعيات اقتصادية كلية خطيرة".

بدوره، قال رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب وشؤون الشتات في الكنيست، النائب غلعاد كريف: "منذ دخولي منصبي حذّرت من أن إسرائيل تواجه تسونامي من الهجرة، في حين لا تفعل الحكومة شيئًا لمعالجة الأمر".

وأضاف: "طالبنا مرارًا خلال الجلسات التي بادرنا إليها بتعيين جهة تتولى تنسيق التعامل مع الظاهرة، وناشدنا ممثلي الحكومة تقديم خطة متعددة السنوات لعكس الاتجاه، لكن يبدو أن هذا الائتلاف المتطرف يعتبر ما يحدث نعمة".

وتابع: "الدراسة التي نُشرت اليوم تؤكد الاتجاه الخطير، فقد غادر البلاد 90 ألف إسرائيلي خلال السنة الماضية، وكثيرون منهم أطباء ومهندسون وأكاديميون".

واعتبر كريف أن ذلك "تهديد استراتيجي لمستقبل إسرائيل، وله علاقة وثيقة بسلوك الحكومة والانقلاب على النظام".

وأضاف: "لا تزال طريقة نتنياهو المتعالية في التعامل مع الظاهرة من على منصة الكنيست عالقة في الأذهان، وهذا الاستخفاف يعبّر عن السلوك المتهور والمعادي للصهيونية ولإسرائيل الذي تنتهجه الحكومة الحالية".

وختم كريف متوجهًا إلى الإسرائيليين الذين غادروا البلاد بالقول: "الإصلاح آتٍ، ونحن بحاجة إليكم معنا لتحقيقه".

وبين أرقام قياسية للهجرة وارتفاع نسبة أصحاب الكفاءات بين المغادرين، لم تعد القضية مجرد حركة سفر عابرة، بل إنذارًا مبكرًا من خسارة رأس المال البشري الذي يقوم عليه الاقتصاد الإسرائيلي، في حال تحولت موجة الرحيل الحالية إلى مسار يصعب عكسه.

المنشورات ذات الصلة