تواجه المحكمة الجنائية الدولية انتقادات متزايدة بشأن طبيعة دورها وحدود ولايتها القانونية، في وقت يتواصل فيه الجدل حول مدى قدرتها على تمثيل المجتمع الدولي وفرض قراراتها على الدول غير الأعضاء في نظامها الأساسي.
وتستند هذه الانتقادات إلى أن المحكمة ليست جزءاً من منظومة الأمم المتحدة، بل أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي الذي انضمت إليه 125 دولة فقط، فيما لا تزال دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند، إلى جانب معظم الدول العربية والآسيوية، خارج عضويتها. ويرى منتقدو المحكمة أن غياب هذه الدول يحدّ من طابعها العالمي ويجعل ولايتها القضائية غير شاملة لغالبية سكان العالم.
كما يشير منتقدو المحكمة إلى أن المجتمع الدولي يمتلك بالفعل مؤسسات وآليات قانونية وسياسية أخرى لمعالجة النزاعات ومحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، إضافة إلى أن التشريعات الوطنية في كثير من الدول تنص على ملاحقة الجرائم الدولية، ما يثير تساؤلات حول الحاجة إلى توسيع دور المحكمة أو تقديمها باعتبارها مرجعاً قضائياً عالمياً.
وفي موازاة ذلك، تظهر المؤشرات تراجعاً في وتيرة الانضمام إلى المحكمة خلال السنوات الأخيرة. فمنذ عام 2015، انضمت خمس دول فقط إلى نظام روما الأساسي، هي فلسطين والسلفادور وكيريباتي وأرمينيا وأوكرانيا، في حين انسحبت بوروندي والفلبين، واستكملت المجر إجراءات الانسحاب من النظام الأساسي، على أن يصبح قرارها نافذاً في عام 2026.
كما أعلنت كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو إنهاء التزاماتها بموجب نظام روما، فيما أعلنت أفغانستان عزمها الانسحاب، رغم استمرار الجدل القانوني بشأن الاعتراف بهذه الخطوة في ظل عدم الاعتراف الدولي بالحكومة الحالية.
ويؤكد منتقدو المحكمة أن أبرز نقاط ضعفها تتمثل في افتقارها إلى وسائل تنفيذية تُلزم الدول بتنفيذ مذكرات التوقيف أو قراراتها القضائية، إذ يعتمد تنفيذ هذه القرارات على تعاون الدول الأعضاء، وهو ما يجعل فعالية المحكمة مرتبطة بالإرادة السياسية للحكومات أكثر من ارتباطها بسلطة تنفيذية مستقلة.
وفي المقابل، يرى مؤيدو المحكمة أن وجودها يمثل إحدى أهم أدوات العدالة الجنائية الدولية لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية عن القيام بذلك، ما يبقي الجدل قائماً بين من يعتبرها ركيزة أساسية للعدالة الدولية، ومن يرى أن ولايتها تظل محدودة بسبب غياب الإجماع الدولي وآليات التنفيذ الملزمة.