في لحظة يتعانق فيها الإيمان مع التاريخ، وتلتقي الكنيسة بالوطن، يطوي لبنان اليوم صفحة من ذاكرته ليكتب سطرًا جديدًا في كتابه الطويل. فمن الديمان، حيث ارتبط اسم البطريرك الياس الحويك بتاريخ البطريركية المارونية ولبنان الكبير، يُعلن تطويب رجل لم يكن بطريركًا للكنيسة فحسب، بل كان أحد أبرز الآباء الروحيين والوطنيين الذين أسهموا في صياغة ملامح لبنان الحديث.
إنها ليست مُناسبة كنسية عابرة، ولا احتفالًا يخصّ فئة من اللبنانيين دون سواها. إنها محطة تختزن تاريخًا من الإيمان والتضحيات والعمل الوطني، وتعيد إلى الواجهة سيرة رجل عاش في زمن شديد الاضطراب، فاختار أن يكون صوتًا لشعبه، وحارساً لهُويّته، وخادماً للإنسان قبل كل شيء.
وُلد البطريرك الياس الحويك في حلتا عام 1843، وسلك طريق الكهنوت في سن مبكرة، قبل أن يتابع دراسته اللاهوتية في روما. وبعد عودته إلى لبنان، كرّس حياته لخدمة الكنيسة والمجتمع، وأسّس، بالتعاون مع الأم روزالي نصر، جمعية راهبات العائلة المقدّسة المارونيات، التي شكّلت علامة مضيئة في تاريخ التعليم والخدمة الاجتماعية في لبنان. وفي عام 1899، انتُخب بطريركًا، ليبدأ مرحلة ترك خلالها أثرًا عميقًا في الكنيسة والوطن.
لكن اسم الحويك تجاوز حدود المسؤولية الكنسية. ففي واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان والمنطقة، تحوّل البطريرك إلى مرجعية وطنية حملت هموم اللبنانيين، ودافعت عن حقّهم في أن يكون لهم وطن يحفظ كرامتهم وهويتهم وخصوصيتهم. وارتبط اسمه بقيام لبنان الكبير، لا كمشروع جغرافي فحسب، بل كفكرة تقوم على التنوّع والتعايش والحرية والكرامة الإنسانية.
ولم يكن لبنان الكبير، في الرؤية التي حملها الحويك، مجرّد مساحة أوسع على الخريطة، بل تجربة وطنية تقوم على تحويل التنوّع إلى مصدر قوة، وعلى جمع جماعات مختلفة في إطار وطن واحد، تتجاور فيه الأديان والثقافات، ويصبح فيه الاختلاف جزءاً من الهوية لا سببًا للصراع. ومن هنا، اكتسب لبنان خصوصيته كمساحة للحرية والتلاقي، وكوطن لا تُقاس قيمته باتساعه الجغرافي فحسب، بل بقدرته على احتضان إنسانيته المتنوّعة.
ولذلك، فإن استعادة الياس الحويك اليوم لا تعني العودة إلى الماضي للاحتفال به فقط، بل تعني العودة إلى قيمه في زمن يحتاج فيه لبنان إلى استعادة الكثير ممّا فقده: معنى الدولة، وقيمة الإنسان، واحترام التنوع، والتمسّك بالعيش المُشترك، والقدرة على تحويل الإيمان إلى فعل مسؤول في المجتمع والوطن.
ولعلّ ما يضفي على تطويبه بعدًا إنسانيًا عميقاً أن المعجزة المرتبطة بملف تطويبه تعود إلى عام 1965، حين شُفي الضابط في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي، وهو من طائفة الموحّدين الدروز، بعد أن رأى البطريرك الحويك في منامه. وفي هذه الواقعة، كما في سيرة الحويك، تتجلّى صورة رجل لم يكن إيمانه جداراً يفصل بين الناس، بل جسرًا يعبرون عليه نحو الرجاء.
كما أن استعادة سيرة الحويك اليوم تفرض مقارنة مؤلمة بين زمنين. فقد عاش البطريرك في مرحلة كان فيها لبنان مهددًا بالجوع والاقتلاع وضياع الكيان، فحمل قضية وطنه إلى العالم، ودافع عن حق اللبنانيين في وطن يحفظ وجودهم وكرامتهم. أما لبنان اليوم، فعلى الرغم من امتلاكه دولة ومؤسسات ودستوراً، يواجه خطرًا من نوع آخر: خطر فقدان الثقة بالدولة، وتراجع القرار الوطني، واستنزاف الاقتصاد، وتحول الوطن إلى ساحة تتجاذبها الأزمات والصراعات. وبين الأمس واليوم، تبقى رسالة الحويك واحدة: الأوطان لا يحميها الحنين إلى تاريخها، بل القدرة على تحويل الإيمان بالوطن إلى مسؤولية وشجاعة وعمل.
لقد عاش الحويك القداسة قبل أن يُعلن طوباويّاً. عاشها في الخدمة، والتواضع، وتحمل المسؤولية، والوقوف إلى جانب الناس في أصعب الظروف. ولذلك، فإن تطويبه لا يضيف إلى سيرته قيمة لم تكن موجودة، بقدر ما يعلن أمام العالم ما شهد له به معاصروه وما حفظته الذاكرة اللبنانية عنه: أنه كان رجل إيمان، ورجل وطن، ورجل إنسان.
وفي زمن لبناني مثقل بالأزمات والانقسامات، يأتي هذا الحدث كدعوة إلى التوقّف أمام سؤال جوهري: ماذا بقي من لبنان الذي حلم به رجالاته الأوائل؟
لا يكفي أن نستعيد اسم لبنان الكبير في الخطب والاحتفالات. فلبنان الكبير، في جوهره، ليس مساحة جغرافية فقط، بل مسؤولية. هو وطن يتسع للاختلاف، ولا يحوّل التنوع إلى سبب للعداء، وتكون فيه الدولة مرجعية، والإنسان أولوية، والوطنية خدمة لا شعارًا.
لقد أعلن لبنان اليوم أحد آبائه طوباويًّا. لكن الوفاء الحقيقي لإلياس الحويك لا يكون بالاحتفال بسيرته فقط، بل بالحفاظ على لبنان الذي آمن به وخدمه.
الياس الحويك.. رجلٌ عاش للبنان، فصار اليوم جزءاً من قداسة ذاكرته.
×