عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع النقابات والاتحادات العمالية وحدود المسؤولية القانونية بين الاستقلال الوظيفي والمساءلة

  • ٣١


تتخذ مسألة "الحصانة" في إطار النقابات والاتحادات العمالية في لبنان منحى مختلفاً جذرياً عن تلك التي حكمت موقع الرؤساء والوزراء والنواب، بل وحتى موظفي الفئة الأولى والعسكريين، إذ لا يتعلق الأمر هنا بأي حصانة دستورية أو سياسية بالمعنى الدقيق، بل بنوع من الاستقلال التنظيمي الذي منحه القانون للنقابات بهدف ضمان حرية العمل النقابي وصون استقلالية التمثيل المهني من التدخلات الإدارية أو السياسية، وهو استقلال غالباً ما أُسيء فهمه في النقاش العام، فاختُزل أحياناً في فكرة شبيهة بالحصانة الشخصية، بينما هو في جوهره تنظيم قانوني لوظيفة اجتماعية محددة.

يقوم المركز القانوني للنقابات والاتحادات على أساس أنها هيئات خاصة ذات نفع عام، تتمتع بشخصية معنوية مستقلة، تُنشأ وتُنظم بموجب قوانين خاصة، وتضطلع بوظيفة تمثيل فئة مهنية أو عمالية محددة، سواء في علاقتها مع الدولة أو مع أصحاب العمل. وهذا الموقع الوسطي بين الخاص والعام هو ما يفسر طبيعة الحماية التي تتمتع بها، إذ إن المشرّع لم يمنحها حصانة بالمعنى التقليدي، وإنما أقر لها استقلالاً وظيفياً يهدف إلى منع تحويل العمل النقابي إلى امتداد للإدارة أو أداة بيد السلطة السياسية.

غير أن هذا الاستقلال لا يعني بأي حال خروج النقابات أو قياداتها أو مجالسها التنفيذية من نطاق الخضوع للقانون العام، سواء من الناحية المدنية أو الجزائية. فالأصل في النظام القانوني اللبناني أن الأشخاص المعنويين الخاصين، كما الأشخاص الطبيعيين الذين يديرونها، يبقون خاضعين للقوانين الجزائية والعقوبات المدنية متى توافرت عناصر المسؤولية. ولا يمكن لأي صفة نقابية أن تشكل حاجزاً أمام ملاحقة الجرائم التي قد تُرتكب باسم النقابة أو في إطار إدارتها أو نشاطها المالي أو الإداري.

ويكمن الإشكال في أن مفهوم “حرية العمل النقابي” قد جرى توسيعه في الخطاب العام أحياناً ليشمل ما يتجاوز غايته الدستورية والقانونية، بحيث جرى الربط بين الاستقلال النقابي وبين الإعفاء من المساءلة، في حين أن الحرية النقابية، في أصلها القانوني، هي حرية تنظيم وتمثيل وتفاوض، وليست حصانة من المحاسبة. فالنقابة حرة في التعبير عن مصالح أعضائها، لكنها ليست حرة في مخالفة القانون الجزائي أو المدني أو المالي، ولا يمكن أن تتحول إلى مساحة معزولة عن الرقابة القضائية أو الإدارية.

ومن الناحية القانونية الدقيقة، تخضع النقابات والاتحادات لرقابة إدارية محددة تتعلق بشرعية التأسيس، وبمدى احترامها للقوانين المنظمة لها، دون أن يعني ذلك تبعيتها للسلطة التنفيذية في ممارسة نشاطها اليومي. كما تخضع في الوقت نفسه لرقابة قضائية كاملة فيما يتعلق بالنزاعات المدنية والمالية والجزائية، سواء تلك التي تنشأ داخل بنيتها التنظيمية أو تلك التي تتصل بعلاقاتها مع الغير. وبالتالي فإن الاستقلال النقابي لا يلغي خضوعها للقانون العام، بل ينظّم طريقة هذا الخضوع ضمن إطار يوازن بين الحرية التنظيمية والمصلحة العامة.

أما على مستوى المسؤولية الفردية، فإن أعضاء الهيئات الإدارية في النقابات أو الاتحادات، بمن فيهم رؤساء هذه الهيئات، لا يتمتعون بأي حصانة شخصية بسبب موقعهم النقابي. فالمسؤولية الجزائية تظل شخصية بالكامل، وتُحدَّد وفقاً للأفعال المرتكبة، لا وفقاً للصفة التنظيمية. وبالتالي فإن ارتكاب أفعال مثل إساءة الأمانة، أو التزوير، أو الاختلاس، أو استغلال الأموال النقابية، أو أي فعل آخر يشكل جريمة وفق القوانين النافذة، يبقى خاضعاً للملاحقة أمام القضاء العدلي دون أي تمييز أو استثناء.

ويظهر هنا بوضوح أن ما يُشاع أحياناً عن وجود “حصانة نقابية” ليس سوى انعكاس خاطئ لفكرة الاستقلال النقابي، التي لا تتعلق بحماية الأشخاص، بل بحماية الوظيفة التمثيلية من التدخلات غير المشروعة. فالمشرّع أراد للنقابات أن تكون صوتاً مستقلاً يعبر عن مصالح الفئات المهنية، لا أن تكون كيانات فوق القانون أو خارج نطاق المحاسبة.

ومن زاوية أخرى، فإن العلاقة بين النقابات والدولة لا تقوم على منطق التراتبية السياسية أو الإدارية، بل على منطق الشراكة التنظيمية في إدارة التوازن الاجتماعي والاقتصادي. غير أن هذه الشراكة لا تنفي خضوع النقابات للقواعد العامة التي تحكم الأشخاص المعنويين، خصوصاً في ما يتعلق بالشفافية المالية، وإدارة الأموال، والالتزام بالقوانين الضريبية والمالية عند الاقتضاء. وهذا ما يجعل الرقابة القضائية على أعمالها جزءاً من النظام القانوني العام، وليس استثناءً عليه.

ويكتسب هذا الإطار أهمية خاصة في السياق اللبناني، حيث غالباً ما تتداخل الأدوار بين النقابي والسياسي والاجتماعي، ما يؤدي إلى تشوش في فهم الحدود القانونية لكل دور. فبعض الخطاب العام يميل إلى إضفاء طابع شبه سياسي على النقابات، بما قد يخلق انطباعاً خاطئاً بأنها تتمتع بنوع من الحصانة غير المكتوبة، في حين أن الواقع القانوني يؤكد عكس ذلك تماماً، إذ تبقى هذه الهيئات خاضعة بالكامل لمبدأ سيادة القانون، وإن كانت تتمتع بهامش استقلال تنظيمي في ممارسة عملها.

ومن الناحية المقارنة، تعتمد معظم الأنظمة الديمقراطية المعاصرة المقاربة نفسها، حيث يُعترف للنقابات بحرية التنظيم والتعبير والتفاوض الجماعي، لكن دون أن يرافق ذلك أي شكل من أشكال الحصانة القانونية لقياداتها أو هياكلها التنظيمية. فالفصل بين الحرية النقابية والمسؤولية القانونية هو مبدأ راسخ في الفقه المقارن، يقوم على أن حماية العمل النقابي لا تعني إعفاءه من الرقابة، بل تعني منعه من الخضوع للضغوط السياسية والإدارية غير المشروعة.

وبذلك يتضح أن النقابات والاتحادات العمالية في لبنان لا تندرج ضمن منظومة الحصانات القانونية أو الدستورية، بل ضمن منظومة الاستقلال الوظيفي الذي يهدف إلى حماية الدور التمثيلي لا تحصين الأشخاص. وهذا الاستقلال لا يتعارض مع خضوعها للقضاء، بل يتكامل معه ضمن إطار يوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين التنظيم الذاتي والرقابة القانونية.

وتنتهي هذه الدراسة إلى تثبيت النتيجة العامة التي حكمت كامل هذه السلسلة، وهي أن مفهوم الحصانة في النظام اللبناني، في مختلف مستوياته، ليس امتيازاً شخصياً ولا خروجاً على مبدأ سيادة القانون، بل هو في أحسن حالاته تنظيم إجرائي محدود الغاية، يهدف إلى حماية الوظيفة العامة أو التمثيلية من التعطيل، دون أن يمس بمبدأ المسؤولية. أما في النقابات والاتحادات، فإن المفهوم لا يتجاوز حدود الاستقلال التنظيمي الذي لا يرقى بأي شكل إلى مستوى الحصانة، ما يجعل كل تصور مخالف لذلك أقرب إلى الشائع منه إلى القانون.



المنشورات ذات الصلة