عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع موظفو الفئة الأولى والعسكريون والأمنيون: حدود المسؤولية بين الوظيفة والانضباط

  • ٦٢


خاص – "ايست نيوز"

يشكل نظام المسؤولية القانونية لموظفي الفئة الأولى في الإدارة العامة اللبنانية، وكذلك للعسكريين والأمنيين، نموذجاً مختلفاً عن نظام الحصانات الدستورية الذي يحكم الرؤساء والوزراء والنواب، لأن هؤلاء لا يدخلون في نطاق الحصانات الدستورية بالمعنى الدقيق، بل يخضعون في الأساس لنظام وظيفي إداري وانضباطي، تتداخل فيه المسؤولية الجزائية مع المسؤولية التأديبية ضمن إطار يهدف إلى ضمان حسن سير المرفق العام وحماية النظام العام الإداري والأمني للدولة.

ويقوم المركز القانوني لموظف الفئة الأولى على كونه جزءاً من السلطة الإدارية، أي من الجهاز التنفيذي للدولة، لكنه لا يمارس سلطة سياسية مستقلة، ولا يتمتع بأي صفة تمثيلية شعبية، ولا يستند في وجوده القانوني إلى ثقة برلمانية كما هو الحال بالنسبة للوزراء أو النواب، بل إلى التعيين الإداري الذي يخضع لمعايير الوظيفة العامة. ومن ثم، فإن مفهوم “الحصانة” هنا لا يجد له أساساً دستورياً مستقلاً، بل يستبدل عادة بمفهوم “الحماية الوظيفية” أو “الضمانات الإجرائية” التي تهدف إلى حماية الموظف أثناء قيامه بمهامه من التعسف الإداري أو من الملاحقات غير المنضبطة.

غير أن هذا المفهوم غالباً ما يُساء فهمه في الحياة العامة، حيث يُعتقد أحياناً أن موظفي الفئة الأولى يتمتعون بدرجة من الحماية تعيق ملاحقتهم الجزائية، في حين أن الأصل في النظام القانوني اللبناني هو خضوعهم الكامل للقضاء العدلي في ما يتعلق بالجرائم العادية، دون أي استثناء دستوري مماثل لما هو قائم بالنسبة إلى بعض الفئات السياسية. فالموظف، مهما علت درجته، يبقى خاضعاً للقانون الجزائي العام، ولا يمكن لأي صفة إدارية أن تحول دون ملاحقته إذا توافرت عناصر الجريمة.

أما ما يميز هذه الفئة فهو وجود نظام تأديبي داخلي يوازي المسار القضائي الجزائي، بحيث يمكن للجهة الإدارية المختصة اتخاذ تدابير تأديبية بحق الموظف، مثل التنبيه أو اللوم أو التوقيف عن العمل أو الإحالة إلى المجلس التأديبي أو الصرف من الخدمة، وذلك بمعزل عن الملاحقة الجزائية أمام القضاء. وهذا التعدد في المسارات يعكس فلسفة مزدوجة تقوم على الفصل بين حماية المرفق العام من جهة، وضمان عدم إفلات الموظف من المسؤولية الجزائية من جهة أخرى، بحيث لا يؤدي أحد المسارين إلى تعطيل الآخر.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في موظفي الفئة الأولى، لأن موقعهم في الإدارة العامة يجعلهم في تماس مباشر مع اتخاذ القرار الإداري، ما يثير أحياناً إشكاليات تتعلق بالحد الفاصل بين “القرار الإداري” و“الفعل الجزائي”. غير أن الفقه والإجتهاد استقرا على مبدأ أساسي مفاده أن الصفة الإدارية لا تسبغ حصانة على الفعل الجرمي، وأن أي تجاوز للقانون الجزائي يبقى خاضعاً لولاية القضاء المختص، حتى ولو ارتبط بسياق وظيفي أو إداري.

أما في ما يتعلق بالعسكريين والأمنيين، فإن النظام القانوني يأخذ بعداً أكثر خصوصية، ليس بسبب وجود حصانة بالمعنى الدستوري، بل بسبب طبيعة المؤسسة العسكرية والأمنية القائمة على الانضباط الصارم والتدرج الهرمي، ما يستدعي وجود قانون عقوبات عسكري وقوانين انضباطية خاصة تنظّم المسؤولية داخل هذه المؤسسات. إلا أن هذا النظام الخاص لا يؤدي إلى إخراج العسكري أو الأمني من ولاية القضاء العدلي في الجرائم العادية، بل يميز بين نوعين من الأفعال: أفعال تخضع للقضاء العسكري أو للتأديب الداخلي، وأفعال تبقى خاضعة للقضاء العدلي، خصوصاً عندما تتعلق بجرائم خطيرة أو أفعال لا تمت بصلة مباشرة للوظيفة العسكرية أو الأمنية.

وهنا يظهر بوضوح أن ما يُسمى أحياناً “حصانة العسكري” أو “حصانة الأمني” هو في حقيقته نظام انضباطي داخلي لا علاقة له بالحصانة القانونية، بل هو تنظيم لطبيعة المسؤولية داخل مؤسسة ذات طابع خاص. فالعسكري لا يُعفى من المسؤولية الجزائية، بل يخضع لها ضمن الأطر التي يحددها القانون، مع مراعاة خصوصية القضاء العسكري في الحالات التي يحددها المشرّع حصراً.

ومن الناحية القانونية الدقيقة، يمكن القول إن الفارق الجوهري بين هذه الفئات وبين الفئات السياسية (رؤساء، وزراء، نواب) يكمن في أن الأولى لا تتمتع بأي حصانة مصدرها الدستور، بينما الثانية تخضع لأنظمة دستورية استثنائية مرتبطة بوظيفة سياسية عليا. وبالتالي فإن أي خلط بين المفهومين يؤدي إلى تضليل قانوني، لأن ما هو قائم بالنسبة لموظفي الفئة الأولى والعسكريين والأمنيين هو نظام مسؤولية لا نظام حصانة.

ويترتب على ذلك أن القضاء العدلي يبقى المرجع الطبيعي والأصلي لملاحقة هذه الفئات في الجرائم العادية، وأن أي استثناء يجب أن يستند إلى نص قانوني صريح يتعلق بطبيعة العمل وليس بصفة الشخص. كما أن انتهاء الوظيفة أو الإحالة إلى التقاعد لا يؤدي إلى أي أثر على المسؤولية الجزائية، لأن هذه المسؤولية شخصية ومستمرة، ولا تسقط بانتهاء الصفة الإدارية أو العسكرية.

وتكشف المقارنة مع الفئات السياسية أن النظام القانوني اللبناني يقوم على ازدواجية واضحة: فكلما ارتفعت الصفة نحو الوظيفة السياسية الدستورية، زادت القيود الإجرائية على الملاحقة، وكلما اقتربنا من الوظيفة الإدارية أو الأمنية، تقلصت هذه القيود حتى تكاد تنعدم، مع الإبقاء فقط على خصوصيات انضباطية داخلية لا ترقى إلى مستوى الحصانة.

ومن هنا يتضح أن ما يجمع هذه الفئات جميعاً ليس “الحصانة” بل “تعدد أنظمة المسؤولية”، حيث تتوزع المسؤولية بين الجزائي والتأديبي والإداري بحسب طبيعة الموقع الوظيفي، دون أن يؤدي أي منها إلى إعفاء من مبدأ خضوع الجميع للقانون.

وتنتهي هذه الدراسة إلى تثبيت القاعدة الأساسية التي حكمت هذه السلسلة منذ بدايتها، وهي أن النظام الدستوري والقانوني اللبناني لا يقوم على فكرة تحصين الأشخاص، بل على تنظيم المسؤولية وفق الوظيفة، وأن كل انطباع مخالف لذلك يعود إلى الخلط بين الحماية الإجرائية المحدودة وبين الحصانة المطلقة التي لا وجود لها إلا في الخطاب الشائع، لا في النصوص القانونية.



المنشورات ذات الصلة