عاجل:

منع محاكمة سلامة: حماية القانون أم تبرئة المنظومة؟

  • ٦٣

خاص – "ايست نيوز"

يشكّل قرار الهيئة الاتهامية في بيروت القاضي بمنع محاكمة الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة في جناية التعدّي على الدستور، محطة قانونية شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب موقع المدعى عليه ودوره المركزي في النظام المالي اللبناني، بل لأن القضية تلامس السؤال الأكبر الذي لم يُحسم منذ بداية الانهيار النقدي: من يتحمّل المسؤولية عن انهيار الثقة بالعملة الوطنية وضياع الودائع؟

فالقرار الظني الصادر عن قاضية التحقيق رولى صفير لم يتعامل مع تصريحات رياض سلامة المطمئنة بشأن الليرة اللبنانية باعتبارها مواقف إعلامية فقط، بل أعطاها وصفاً قانونياً جزائياً بالغ الخطورة، معتبراً أن طمأنة المواطنين من قبل سلامة عن الوضع النقدي، في وقت كانت فيه المؤشرات الاقتصادية تنذر بالأزمة، قد تشكل فعلاً من أفعال التعدّي على الدستور، باعتبار أن حماية الحقوق المالية للمواطنين وودائعهم تدخل ضمن صميم حماية النظام العام الدستوري.

وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل مارست الهيئة الاتهامية وظيفتها الممنوحة لها بعدالة وحق حين منعت المحاكمة، أم أنها ساهمت عملياً في تفكيك عناصر المسؤولية الجنائية عن منظومة كاملة شاركت في إدارة مرحلة الانهيار؟

أولاً: في طبيعة جناية التعدّي على الدستور وحدود تفسيرها

إن المادة 301 من قانون العقوبات التي استند إليها القرار الظني تتعلق بجريمة استثنائية ذات طبيعة خاصة، لأنها لا تحمي مصلحة مالية فردية فقط، بل تستهدف الاعتداء على المبادئ الدستورية أو ممارسة السلطة بطريقة تنال من النظام الدستوري.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال القانوني ليس فقط: هل خسر المواطنون أموالهم؟ فهذا أمر ثابت واقعياً، بل السؤال هو: هل كان هناك فعل صادر عن مسؤول عام أدى إلى المساس بحق دستوري محمي؟

الاتجاه الذي تبنته قاضية التحقيق يستفاد منه أن الوديعة المصرفية ليست علاقة تعاقدية بين مصرف ومودع فقط، بل هي علاقة يحميها احكام الدستور اللبناني، وأن واقعة تضليل المواطنين من قبل رياض سلامة بشأن سلامة النظام النقدي قد يكون فعلاً مؤثراً في هذا الحق.

وهذا المنطق يجد أساسه في مبدأ دستوري مهم، وهو أن الدولة لا تحمي الملكية الخاصة فقط من الاعتداءات الفردية، بل تلتزم أيضاً بحماية الثقة العامة بالنظام المالي والنقدي.

فحين يتولّى مسؤول نقدي أعلى منصباً مالياً مصرفياً في الدولة، ويقدم للمواطنين تطمينات متكررة مع كل اطلالة تلفزيونية حول سلامة العملة والنظام المصرفي، فإن هذه التصريحات لا تكون دائماً آراء شخصية، بل قد تُفهم باعتبارها جزءاً من السلطة المعنوية والمؤسساتية التي يتمتع بها، ومن هنا جاءت جرأة القرار الظني؛ فقد حاول الانتقال من مفهوم "الخطأ في التقدير الاقتصادي" إلى مفهوم "المسؤولية الجنائية في تضليل أصحاب الحقوق".

ثانياً: هل أصابت الهيئة الاتهامية في حماية مبدأ الشرعية الجزائية؟

لا شك أن للهيئة الاتهامية مبررات قانونية قوية من زاوية مبدأ الشرعية الجزائية، فالقاعدة الأساسية في القانون الجزائي هي أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص واضح، وأن التوسع في تفسير النصوص الجزائية ضد المدعى عليه أمر غير جائز.

ومن هذا المنطلق، يمكن الدفاع عن قرار الهيئة بالقول إن انهيار الاقتصاد أو فقدان الودائع لا يمكن تحويله تلقائياً إلى جريمة جزائية بحق شخص واحد، حتى لو كان هذا الشخص يحتل موقعاً مؤثراً، فالسياسات النقدية والمالية هي عادة نتاج قرارات جماعية شاركت فيها حكومات ومجالس نيابية ومؤسسات مالية ومصرفية، وليس مسؤولية فرد واحد.

كما أن ربط كل خسارة مالية بجريمة دستورية قد يؤدي إلى توسيع غير مسبوق لمفهوم المسؤولية الجزائية، بحيث يصبح كل فشل اقتصادي قابلاً للتحويل إلى ملف جزائي.

ومن هذه الناحية، يمكن فهم موقف الهيئة الاتهامية بأنها أرادت منع القضاء الجزائي من التحول إلى أداة لمحاسبة سياسية أو اقتصادية خارج إطار النصوص المحددة.

ثالثاً: هل أغفل القرار مسؤولية السلطة السياسية عن انهيار الثقة؟

هنا تظهر الإشكالية الأعمق. فحتى لو سلمنا جدلاً بأن رياض سلامة وحده لا يتحمل مسؤولية الانهيار، فإن منع المحاكمة عنه قد يطرح سؤالاً أكبر: هل يؤدي إسقاط المسؤولية عن أحد أركان الإدارة المالية إلى إسقاط إمكانية البحث في مسؤولية بقية أركان المنظومة؟

فالانهيار اللبناني لم يكن نتيجة قرار تقني منفرد، بل نتيجة تراكم سياسات مالية ونقدية امتدت سنوات، شاركت فيها الحكومات المتعاقبة ووزارة المالية ومصرف لبنان والقطاع المصرفي.

ومن هنا يبرز الدور السياسي لوزير المالية آنذاك علي حسن خليل، الذي كان جزءاً من السلطة التنفيذية المسؤولة عن المالية العامة، والذي صدرت عنه، كما يرد في النقاش العام، مواقف تطمينية للمواطنين بشأن الوضع النقدي والودائع.

فبالاستناد الى احكام قانون أصول المحاكمات الجزائية، فان لقاضي التحقيق السلطة الاستنسابية في اصدار القرار الذي يرتئيه بعد تقدير الوقائع والمستندات الثبوتية، ولكي يصدر قرار لإرضاء جهة دون الأخرى او بصورة اعتباطية، وهذا ما سارت عليه قاضية التحقيق حينما أصدرت قرارها بمحاكمة سلامة، فلو لم تكن المستندات والوقائع الثابتة تدين الحاكم الأسبق لما أصدرت قرارها. 

من هذا المنطلق يمكن للمواطن الاستنتاج بان الطمأنة التي نهجها رياض سلامة مع كل تصريح واطلالة له على الاعلام هي طمأنة كاذبة وتشكل عنصرا من عناصر الجرم الجنائي كونها تمس بحقوق المواطنين، وهذا المساس بالحقوق لا يمكن أن يتوقف عند حدود الحاكم المركزي فقط.

فالقول إن تصريحات الحاكم تشكل تضليلاً للمواطنين يجب أن يفتح حكماً باب التساؤل حول تصريحات المسؤولين السياسيين الذين كانوا يملكون سلطة القرار المالي، والقدرة على الوصول إلى المعلومات نفسها، بل وربما سلطة أكبر في رسم السياسات العامة.

رابعاً: هل يشكل قرار الهيئة الاتهامية مقدمة لتبرئة المنظومة؟

الإجابة القانونية الدقيقة تحتاج إلى التمييز بين أمرين:

الأول: إن قرار الهيئة الاتهامية ليس بالقرار المبرئ لاي ظنين، لأنه اقتصر على منع المحاكمة في جرم محدد بحق شخص محدد.

الثاني: إن الأثر العملي والسياسي للقرار قد يُفهم باعتباره يضعف مسار تحميل المسؤولية الجزائية عن المرحلة المالية السابقة، خصوصاً إذا لم تُفتح ملفات موازية تطال جميع المسؤولين الذين شاركوا في إدارة الدولة ومؤسساتها خلال هذه المرحلة.

فالمشكلة ليست في منع محاكمة شخص لعدم اكتمال عناصر جرم معين، بل في احتمال تحول هذا المنع إلى ذريعة لإغلاق ملف المسؤولية الجماعية. فالعدالة لا تكون عبر اختيار "كبش فداء" واحد، لكنها أيضاً لا تكون عبر تفتيت المسؤولية إلى درجة استحالة محاسبة أي طرف.

إذا كان رياض سلامة لا يمكن تحميله وحده مسؤولية الانهيار، فهذا لا يعني أن أحداً لا يتحمل المسؤولية، بل على العكس، إن تبرئة أي مسؤول يجب أن تفتح الباب لمساءلة الآخرين، لا أن تغلق الباب أمام الجميع.

خامساً: المسؤولية الجزائية والمسؤولية الدستورية والسياسية

قد يكون الخلاف الحقيقي في هذه القضية ليس حول رياض سلامة كشخص، بل حول النموذج الذي ستعتمده الدولة اللبنانية لمحاسبة المسؤولين عن أكبر أزمة مالية في تاريخها.

فإذا اعتُبر الانهيار نتيجة "ظروف اقتصادية" وحسب، فإن المسؤولية ستضيع بين المؤسّسات، أما إذا اعتُبر انه نتيجة قرارات بشرية محدّدة اتخذها مسؤولون يملكون السلطة والمعلومة والقدرة على التدخل، فإن المساءلة تصبح واجباً دستورياً.

ومن هنا فإن قرار الهيئة الاتهامية يثير سؤالاً لا يقل أهمية عن السؤال الجزائي: هل المطلوب حماية مبدأ الشرعية الجزائية، أم حماية مبدأ عدم إفلات أصحاب القرار من المسؤولية؟

والحلّ لا يكون بإدانة مسؤول بلا دليل، ولا بإعفاء منظومة كاملة بحجة تعقيد الأزمة.

ان قرار الهيئة الاتهامية يمكن الدفاع عنه من زاوية ضيقة تتعلق بعدم جواز التوسع في تفسير جناية التعدّي على الدستور، وبضرورة احترام قواعد المحاكمة الجزائية، لكن القراءة الأوسع تكشف خطورة أخرى؛ فإذا بقي هذا القرار منفرداً من دون مسار قضائي يطال كل من شارك في صناعة السياسات التي أوصلت لبنان إلى الانهيار، فقد يتحول عملياً من تطبيق لمبدأ قانوني إلى حلقة جديدة في سلسلة الإفلات من المسؤولية.

فاللبنانيون لا يبحثون فقط عن إدانة رياض سلامة أو تبرئته، بل عن إجابة على السؤال الجوهري: كيف انهارت دولة مالية كاملة، ومن هم الذين امتلكوا السلطة والمعرفة والقرار عندما كان المواطنون يُطمأنون بأن أموالهم محفوظة وأن الليرة بخير؟

من هنا فإن قرار الهيئة الاتهامية لا يمكن قراءته بمعزل عن مسؤولية السلطة السياسية، وفي مقدمها الحكومة ووزارة المالية في المرحلة السابقة، لأن حماية النظام المالي ليست مسؤولية مصرف لبنان وحده، بل مسؤولية الدولة بكل مؤسساتها.

فإذا كان القرار الظني قد حاول فتح باب المسؤولية الجزائية، فإن قرار الهيئة الاتهامية أغلق هذا الباب في وجه هذا الوصف الجرمي تحديداً؛ لكن إغلاق باب واحد لا يجب أن يتحول إلى إغلاق ملف المسؤولية التاريخية عن الانهيار.

والسؤال الأهم في ظلّ الانهيار والازمة المستمرّة هل مارس مجلس النواب دوره في الرقابة على اعمال مجلس الوزراء والوزراء تطبيقا لأحكام الدستور اللبناني؟

المنشورات ذات الصلة