عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع المسؤولية الدستورية والقانونية لرئيس مجلس النواب وحدود الحصانة(3)

  • ٢١
خاص – "ايست نيوز"

يفرض البحث في العلاقة بين الحصانة البرلمانية ومبدأ المساواة أمام القانون الانتقال من التحليل النظري للنصوص إلى تقييم كيفية تطبيقها في الواقع اللبناني، لأن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الدستور بقدر ما تكمن في المسافة التي تفصل بين النصوص والممارسة. فمن خلال قراءة متأنية للدستور اللبناني يتبين أن المشترع الدستوري لم يشأ إنشاء طبقة من المسؤولين تعلو على القضاء، بل سعى إلى إقامة توازن دقيق بين استقلال السلطة التشريعية وحق السلطة القضائية في ملاحقة الجرائم، بحيث لا تتحول الدعوى الجزائية إلى وسيلة لتعطيل العمل النيابي، ولا تتحول الحصانة في المقابل إلى وسيلة لإجهاض العدالة.

ويكشف هذا التوازن عن فلسفة دستورية عميقة كثيراً ما غابت عن النقاش السياسي. فالحصانة النيابية، في أصلها التاريخي، نشأت في أوروبا لحماية البرلمانات من تدخل السلطة التنفيذية، عندما كانت الحكومات تستخدم القضاء وأجهزة الأمن لتوقيف النواب المعارضين ومنعهم من المشاركة في الجلسات أو التصويت على القوانين. ومن ثم، فإن الغاية الأصلية للحصانة لم تكن حماية النائب من القضاء المستقل، وإنما حماية البرلمان من تعسف السلطة السياسية. ولذلك فإن استمرار الحصانة في الأنظمة الديمقراطية الحديثة بقي مرتبطاً باستمرار الحاجة إلى هذه الحماية المؤسسية، ولم يعد ينظر إليها بوصفها امتيازاً شخصياً.

ويصدق هذا التحليل بصورة كاملة على رئيس مجلس النواب، إذ إن رئاسته للمجلس لا تنشئ حصانة مستقلة، وإنما تضفي على الوظيفة أهمية دستورية تستوجب احترام استقلالها. وهذا الاستقلال يجب ألا يختلط مع فكرة عدم المسؤولية، لأن استقلال السلطة لا يعني تحصين الأشخاص الذين يتولون إدارتها. فلو أخذنا بالرأي القائل إن رئيس المجلس يتمتع بحماية أوسع من تلك التي يتمتع بها سائر النواب لمجرد كونه رئيساً، لأصبحنا بصدد إنشاء حصانة جديدة من خارج الدستور، وهو أمر يتعارض مع مبدأ الشرعية الدستورية.

ويؤكد ذلك أن الدستور اللبناني، عندما أراد إنشاء نظام خاص للمساءلة، فعل ذلك صراحة كما في حالة رئيس الجمهورية، وعندما أراد تنظيم مسؤولية الوزراء عن الجرائم الناشئة عن ممارسة وظائفهم، نص على مرجع خاص هو المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. أما بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب، فقد خلا الدستور تماماً من أي نص مماثل، وهو سكوت لا يمكن تفسيره على أنه نقص تشريعي، بل يعبر عن إرادة واضحة لدى المشترع الدستوري بعدم إنشاء نظام استثنائي خاص به.

ويترتب على هذه النتيجة أن رئيس مجلس النواب لا يتمتع بأي امتياز قضائي مستقل عن صفته النيابية، ولا يخضع لأي مرجع قضائي استثنائي بسبب رئاسته للمجلس، بل يبقى، من حيث الأصل، خاضعاً للقضاء العدلي في الجرائم العادية، مع مراعاة القيود الإجرائية التي تفرضها الحصانة النيابية أثناء دورات الانعقاد. وبذلك فإن اختصاص القضاء العدلي يبقى هو الأصل، بينما تمثل الحصانة مجرد استثناء مؤقت يفسر في أضيق الحدود، انسجاماً مع القاعدة العامة القاضية بأن الاستثناء لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه.

ويثير ذلك بدوره مسألة الجرائم المشهودة، التي تشكل الاستثناء الأبرز على الحصانة الإجرائية. فقد حرص المشترع الدستوري على عدم جعل الحصانة عائقاً أمام مواجهة الجرائم التي تتوافر فيها حالة التلبس، فأجاز اتخاذ الإجراءات الفورية بحق النائب، ومن ضمنه رئيس مجلس النواب، إذا ضبط في حالة جرم مشهود، دون الحاجة إلى انتظار إذن المجلس. ويكشف هذا الاستثناء عن إرادة دستورية واضحة تقضي بعدم تحويل الحصانة إلى ملاذ يحول دون تدخل القضاء في الحالات التي تستوجب السرعة للحفاظ على الأدلة أو منع فرار المشتبه به أو حماية النظام العام.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن الحصانة الإجرائية لا تمتد إلى المسؤولية المدنية أو التأديبية بالمعنى الذي يمنع ممارستها وفق الأصول القانونية، كما أنها لا تؤدي إلى محو الجريمة أو سقوط الدعوى العامة، وإنما تقتصر على تنظيم توقيت وإجراءات الملاحقة الجزائية. ومن هنا، فإن أي تفسير يعتبر أن الحصانة تؤدي إلى إنهاء المسؤولية أو إسقاطها بصورة نهائية يكون مخالفاً للنصوص الدستورية وللفلسفة التي قامت عليها.

ويظهر الخلط بصورة أوضح في الحياة السياسية اللبنانية، حيث درج الخطاب العام على استخدام عبارة "رفع الحصانة" للدلالة على إمكانية محاسبة النائب أو رئيس المجلس، وكأن الحصانة هي الأصل والمساءلة هي الاستثناء. والحقيقة الدستورية هي العكس تماماً؛ فالمساءلة هي الأصل الذي يقوم عليه مبدأ سيادة القانون، أما الحصانة فهي قيد إجرائي مؤقت فرضته اعتبارات دستورية محددة. ولذلك فإن رفع الحصانة لا ينشئ المسؤولية، بل يزيل عائقاً إجرائياً حال دون ممارسة القضاء لاختصاصه خلال فترة معينة.

ومن خلال مراجعة التطبيقات العملية في لبنان، يلاحظ أن طلبات رفع الحصانة غالباً ما كانت تخضع لتوازنات سياسية أكثر من خضوعها لمعايير قانونية مجردة، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ انطباع لدى الرأي العام بأن قرار المجلس النيابي قد يتأثر بالاعتبارات السياسية أو الحزبية أو الطائفية. إلا أن هذه الممارسة، مهما بلغت درجتها، لا تغير من طبيعة النص الدستوري، لأن الخلل في التطبيق لا يؤدي إلى تعديل القاعدة القانونية. فالتمييز بين النص والممارسة يعد من المبادئ الأساسية في البحث الدستوري، وإلا أصبح العرف السياسي قادراً على تعديل الدستور دون اتباع الإجراءات الدستورية المقررة.

وفي هذا السياق، يبرز دور القضاء في ترسيخ مفهوم الحصانة بوصفها استثناءً لا يجوز التوسع فيه. فالاجتهاد المقارن، ولا سيما في الأنظمة البرلمانية الأوروبية، استقر على أن الحصانات البرلمانية يجب أن تفسر تفسيراً وظيفياً لا شخصياً، أي بالنظر إلى الغاية التي شرعت من أجلها، لا إلى مصلحة الشخص الذي يتمسك بها. فإذا انتفت العلاقة بين الإجراء القضائي وبين ممارسة العمل البرلماني، ضعفت المبررات التي تقوم عليها الحصانة، وبقيت القواعد العامة هي المرجع الطبيعي.
كما يلاحظ أن العديد من الأنظمة الدستورية الحديثة اتجه إلى تضييق نطاق الحصانات البرلمانية، استجابة لتطور مفاهيم الشفافية ومكافحة الفساد وتعزيز استقلال القضاء. ولم يعد الاتجاه الغالب في الفقه الدستوري يعتبر أن توسيع الحصانات يعزز الديمقراطية، بل أصبح معيار قوة النظام الديمقراطي يقاس بقدرته على التوفيق بين حماية البرلمان من الضغوط وبين ضمان خضوع جميع المسؤولين للمساءلة القانونية عند الاقتضاء.

وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا التوجه أهمية مضاعفة، لأن النظام السياسي يقوم على توازنات دقيقة تجعل من استقلال كل سلطة شرطاً لاستقرار النظام الدستوري. غير أن هذا الاستقلال لا يمكن أن يتحول إلى استقلال عن القانون، وإلا فقدت الحصانة وظيفتها الأصلية وتحولت إلى امتياز يتناقض مع المبادئ الدستورية نفسها التي أنشأتها.

ومن ثم، فإن حماية مجلس النواب كرئيس للسلطة التشريعية تختلف جذرياً عن حماية رئيس مجلس النواب كشخص طبيعي؛ فالأولى ضرورة دستورية، أما الثانية فلا تكون مشروعة إلا ضمن الحدود التي رسمها الدستور صراحة.

وهنا تتجلى الفكرة المركزية التي قامت عليها هذه السلسلة البحثية. فبين القانون والشائع مسافة واسعة كثيراً ما تختلط فيها المفاهيم. فالقانون اللبناني لا يمنح رئيس مجلس النواب حصانة خاصة بسبب موقعه الدستوري، ولا ينشئ له امتيازاً قضائياً مستقلاً، ولا يخرجه من ولاية القضاء العدلي في الجرائم العادية، ولا يضعه في مرتبة قانونية تختلف عن بقية أعضاء المجلس من حيث قواعد الحصانة النيابية. أما الذي نشأ في الممارسة السياسية فهو تضخم في صورة الموقع السياسي لرئيس المجلس، الأمر الذي أدى تدريجياً إلى الاعتقاد بوجود حماية قانونية أوسع مما يسمح به الدستور.

وعليه، فإن القراءة الدستورية المجردة تقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن رئيس مجلس النواب يتمتع بالحصانة ذاتها التي يتمتع بها أي نائب، لا أكثر ولا أقل. فهو يستفيد من حصانة الرأي المقررة لجميع النواب، ومن الحصانة الإجرائية خلال دورات الانعقاد وفق الشروط الدستورية نفسها، ويخضع للاستثناءات ذاتها، وفي مقدمتها حالة الجرم المشهود، كما يبقى القضاء العدلي المرجع الطبيعي لملاحقته في الجرائم العادية متى زالت القيود الإجرائية التي يفرضها الدستور. ولا يوجد في النصوص الدستورية أو التشريعية اللبنانية ما يبرر القول بقيام حصانة مستقلة أو دائمة لرئيس مجلس النواب بسبب رئاسته للمؤسسة التشريعية.

وبذلك، تنتهي هذه الدراسة إلى النتيجة التي تنسجم مع عنوان السلسلة "الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع"، وهي أن الفارق بين النص الدستوري والممارسة السياسية هو الذي أنتج كثيراً من الالتباسات حول موقع رئيس مجلس النواب. فالقانون رسم حدوداً دقيقة للحصانة وربطها بوظيفة النائب، بينما أضفت الممارسة السياسية على الموقع بعداً سياسياً جعل الرأي العام يعتقد أحياناً أن رئيس المجلس يتمتع بحماية قانونية خاصة.

والحقيقة الدستورية، كما تكشفها النصوص وتحليل الفقه المقارن، أن رئيس مجلس النواب ليس فوق القانون، ولا يتمتع بحصانة مستقلة عن الحصانة النيابية، وإنما يخضع للنظام الدستوري ذاته الذي يحكم جميع أعضاء السلطة التشريعية، في تجسيد لمبدأ أساسي مفاده أن الحصانات في الدولة الدستورية الحديثة لا تنشأ لحماية الأشخاص، بل لحماية الوظائف والمؤسسات، وأنها لا يمكن أن تتحول، في أي حال، إلى وسيلة للإفلات من المساءلة أو لتعطيل سيادة القانون.
المنشورات ذات الصلة