عاجل:

حين يُصبح القانون أول ضحايا المرحلة

  • ٢٣

لم يعد الجدل في لبنان محصوراً بالسؤال التقليدي: هل تنجح المفاوضات مع إسرائيل أم تفشل؟ فالنقاش اليوم تجاوز حدود السياسة، ليصل إلى جوهر الدولة نفسها: ما الذي يتغيّر في هوية لبنان القانونية؟ وهل يُعاد رسم ثوابته بالتدرج، من خلال الخطاب والإعلام، قبل أن تُترجم هذه التحولات في القوانين والمؤسسات؟


هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة في ظل الانتقال إلى مفاوضات مباشرة، وتصاعد الدعوات إلى إعادة النظر في القوانين التي تنظّم العلاقة مع إسرائيل، بالتزامن مع خطاب سياسي وإعلامي يصفه كثيرون بأنه غير مسبوق.


في هذا السياق، تقدّم أستاذة القانون في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، الدكتورة عزة سليمان الحاج، قراءة قانونية تتجاوز الحدث الآني، لتربط بين المفاوضات، والتطبيع، واحترام الدستور، ومفهوم دولة القانون. وفي رؤيتها، لا تكمن الخطورة في قرار منفرد أو نص قانوني بعينه، بل في المسار الذي قد يقود، تدريجياً، إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقانون، وبين السلطة والمجتمع.


وتنطلق سليمان من نقطة تعتبرها مفصلية، وهي أن الانتقال إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد تبدّل في آلية التفاوض، بل يحمل، برأيها، دلالات سياسية وقانونية أعمق. فاعتماد لبنان طوال العقود الماضية على المفاوضات غير المباشرة لم يكن، وفق قراءتها، تفصيلاً إجرائياً، بل جاء منسجماً مع موقفه القائم على عدم الاعتراف بإسرائيل، ما يجعل كسر هذا الإطار تحولاً في المقاربة اللبنانية نفسها، لا مجرد تغيير في الشكل.


وانطلاقاً من هذه القراءة، ترفض سليمان مقولة إن الظروف فرضت على لبنان هذا الخيار، معتبرة أن الدول لا تُدار بمنطق الإكراه، بل بمنطق القرار السيادي. وترى أن ما يُقدَّم على أنه ضرورة سياسية يبقى، في نهاية المطاف، قراراً تتحمل السلطة مسؤوليته، لأن سيادة الدولة، بحسب رأيها، تُقاس بقدرتها على احترام خياراتها الدستورية، لا بتبريرها تحت ضغط الظروف.


غير أن شكل المفاوضات ليس وحده ما يثير التساؤلات في نظرها، بل إن المسار نفسه لا يبدو، وفق تقييمها، مؤشراً إلى اقتراب الحل. فهي تعتبر أن الجلسة الأخيرة لا تؤسس لتسوية حقيقية بقدر ما تفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً داخل لبنان، وترفض توصيف ما يجري بأنه “إدارة للأزمة”، انطلاقاً من رؤيتها بأن الصراع لا يقوم بين طرفين متكافئين، بل بين لبنان وكيان تعتبره محتلاً ومعتدياً، الأمر الذي يجعل استخدام هذا المصطلح، برأيها، غير دقيق قانونياً وسياسياً.


ومن هنا، تنظر أيضاً إلى الطروحات المتعلقة بـ”المناطق التجريبية” بكثير من التحفظ، معتبرة أن الأرض والسيادة وحقوق المواطنين ليست حقولاً للتجارب السياسية. وبرأيها، فإن أي مرحلة انتقالية طويلة قد تتحول إلى وسيلة لتكريس وقائع جديدة على الأرض، بدلاً من أن تكون مدخلاً فعلياً لإنهاء الاحتلال أو فرض الانسحاب الإسرائيلي.


ولا تفصل سليمان هذا النقاش عن الصورة الأوسع التي ترسمها للحرب وتداعياتها، إذ ترى أن الحروب الكبرى غالباً ما تقترن بمحاولات لإحداث تغييرات ديموغرافية وجغرافية تعيد رسم الواقع. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن تمسّك أبناء الجنوب بأرضهم، رغم حجم الدمار والخسائر، شكّل عاملاً أساسياً حال دون تحقيق أهداف أوسع كانت، بحسب تقديرها، تستهدف تغيير الواقع السكاني وفرض معادلات جديدة على الأرض.


وفي هذا الإطار، ترى أن كثيراً من الخطوات المطروحة اليوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق، معتبرة أن المرحلة الحالية لا تهدف فقط إلى إدارة الواقع الأمني، بل إلى إدارة مرحلة انتقالية قد تُفضي، إذا استمرت، إلى تكريس وقائع سياسية وقانونية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً.


ومن هذا الباب تحديداً، تنتقل سليمان إلى ملف التطبيع، معتبرة أن أخطر التحولات لا تبدأ عادةً بتوقيع اتفاقيات أو افتتاح سفارات، بل تتسلل تدريجياً إلى الوعي العام عبر اللغة والخطاب. فبرأيها، عندما تتكرر الأفكار التي كانت تُعدّ في السابق من المحرمات السياسية والقانونية، فإنها تتحول مع الوقت إلى جزء من النقاش اليومي، قبل أن تجد طريقها لاحقاً إلى النصوص والتشريعات.


وتتوقف سليمان عند هذا المسار تحديداً، معتبرة أن الحديث المتزايد عن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل أو الدعوات إلى فتح قنوات رسمية معها لا يعكس، بالضرورة، تحولاً حقيقياً في الرأي العام اللبناني، بقدر ما يمكن أن يكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل هذا الرأي. فالرأي العام، بحسب قراءتها، ليس ثابتاً، بل يمكن التأثير فيه وإعادة توجيهه عبر أدوات متعددة، تبدأ بكسر المحظورات وتغيير المفاهيم المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، تشير إلى أن ما كان يُنظر إليه سابقاً على أنه مرفوض أو غير قابل للنقاش، قد يتحول تدريجياً إلى فكرة عادية بفعل التكرار والحضور الإعلامي. ومن هنا، تعتبر أن التطبيع لا يبدأ فقط من العلاقات الرسمية، بل من محاولة نقل بعض الأفكار من دائرة الممنوع إلى دائرة المقبول اجتماعياً، تمهيداً لإعادة النظر لاحقاً في القوانين التي تنظّم هذه العلاقة.

أما قانونياً، فتربط سليمان هذا المسار بمبدأ أساسي هو حكم القانون. فبالنسبة إليها، إذا كانت هناك رغبة في تعديل أي نص قانوني، فإن الطريق الطبيعي هو تعديله عبر المؤسسات الدستورية، ثم احترامه بعد ذلك. أما تجاوز القوانين النافذة أو التعامل معها وكأنها لم تعد قائمة قبل تعديلها، فهو، بحسب رؤيتها، يشكّل إضعافاً لفكرة دولة القانون نفسها.

وتوضح أن الإشكالية لا تكمن فقط في مضمون القوانين، بل في طريقة التعامل معها. فالقانون، كما تقول، يجب أن يكون عاماً وملزماً للجميع، بما في ذلك مؤسسات الدولة والسلطات الرسمية، ولا يمكن أن يتحول إلى أداة تُطبّق في مكان وتُهمل في مكان آخر. ومن هنا، تنتقد ما تعتبره ازدواجية في تطبيق القانون، معتبرة أن الدولة التي لا تحترم نصوصها تفقد تدريجياً قدرتها على إقناع مواطنيها بشرعيتها.

وفي قراءتها لتأثير الإعلام في هذه المرحلة، تعتبر سليمان أن استخدام الخطاب الإعلامي لتبرير خيارات سياسية أو قانونية، بدلاً من تقديم مسار دستوري واضح، يؤدي إلى خلق فجوة بين السلطة والقانون. فبرأيها، عندما تُهيّأ البيئة الاجتماعية لتقبّل تغيير معين قبل أن يُطرح عبر المؤسسات، يصبح الإعلام أداة لإعادة تشكيل الوعي العام بدل أن يكون مساحة للنقاش حول الخيارات المطروحة.

ولا تفصل سليمان هذه المسألة عن الإطار التاريخي والسياسي الذي حكم لبنان لعقود، إذ ترى أن مسألة العلاقة مع إسرائيل كانت دائماً جزءاً من صراع أوسع حول خيارات الدولة. وتستعيد في هذا السياق مرحلة الحرب الأهلية، معتبرة أن أحد أبرز الانقسامات التي رافقتها تمحور حول الموقف من إسرائيل، بين من رأى فيها طرفاً يمكن التعامل معه، ومن اعتبرها كياناً محتلاً ومعتدياً.

ومن هذه الزاوية، تعتبر أن أي تغيير في هذه الثوابت لا يمكن أن يتم بمعزل عن النقاش الوطني والدستوري، لأن اتفاق الطائف أنهى الحرب، وفق قراءتها، على أساس مجموعة من المبادئ، من بينها التأكيد على تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة. وبالتالي، فإن المساس بهذه المبادئ يفتح، برأيها، الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الدولة وخياراتها المستقبلية.

وفي هذا الإطار، تحذّر سليمان من أن تجاوز الدستور والقوانين المتوافق عليها قد يؤدي إلى أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي، لأنه يمسّ العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه النظام اللبناني. وترى أن الخطر لا يكمن فقط في القرارات نفسها، بل في الطريقة التي تُفرض بها، خصوصاً إذا انتقلت الدولة من منطق المؤسسات إلى منطق فرض واقع جديد على المجتمع.

ومن هنا، تنتقل إلى الحديث عن مفهوم الشرعية، معتبرة أن الاستناد إلى الشرعية الدولية وحدها في إدارة الملفات المصيرية لا يكفي، لأن الشرعية الحقيقية تبدأ من الداخل، من احترام الدستور والقانون اللبناني. فالدولة، بحسب رؤيتها، قد تتمكن من الحصول على دعم خارجي، لكنها تخسر جزءاً من شرعيتها أمام مجتمعها إذا غاب الالتزام بالقواعد القانونية التي يفترض أن تحكم عملها.

وتحذّر سليمان من أن استمرار تجاوز القانون تحت أي عنوان، سواء كان سياسياً أو أمنياً أو تفاوضياً، يهدد أسس دولة المؤسسات. فالقانون، بالنسبة إليها، ليس مجرد نصوص قابلة للتجاوز وفق الظروف، بل هو الإطار الذي يحمي المجتمع وينظم العلاقة بين السلطة والمواطنين.

وفي خلاصة موقفها، تختصر سليمان توصيتها للدولة اللبنانية بضرورة العودة إلى قاعدة أساسية: احترام القانون. فالدولة التي تريد تعديل قوانينها تملك المسار الدستوري لذلك، أما فرض تغييرات قبل تعديل النصوص، فيؤدي إلى إضعاف المؤسسات وضرب الثقة بها.

وتختم بأن أي مرحلة جديدة في تاريخ لبنان، مهما كانت طبيعة التحديات التي تفرضها، لا يمكن أن تُبنى على تجاوز الدستور أو القوانين، لأن سيادة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات، بل بقدرتها على احترام القواعد التي تنظّم هذه القرارات. فالدولة، قبل أي تفاوض أو اتفاق أو تحول سياسي، تبدأ من سيادة القانون.

المنشورات ذات الصلة