خاص –"ايست نيوز"
إن الانطلاق من القاعدة الدستورية القائلة إن رئيس مجلس النواب لا يتمتع، بصفته رئيساً للمجلس، بحصانة مستقلة عن الحصانة النيابية، يقود إلى إعادة النظر في طبيعة هذه الحصانة نفسها وحدودها وأهدافها، ولا سيما أن مفهوم الحصانة البرلمانية يعد من أكثر المفاهيم القانونية تعرضاً لسوء الفهم في الحياة السياسية اللبنانية. فكثيراً ما يجري التعامل معها وكأنها وسيلة لإعفاء النائب من الخضوع للقانون، في حين أن الفقه الدستوري الحديث يجمع على أنها ليست امتيازاً شخصياً، بل ضمانة مؤسساتية هدفها حماية السلطة التشريعية من أي تدخل قد يعيق قيامها بوظيفتها الدستورية.
ويستند النظام الدستوري اللبناني، شأنه شأن غالبية الأنظمة البرلمانية، إلى نوعين مختلفين من الحصانة البرلمانية، لكل منهما فلسفته القانونية وأثره الدستوري. ويتمثل النوع الأول في الحصانة الموضوعية أو ما يعرف بعدم المسؤولية عن الآراء والأفكار والمواقف التي يبديها النائب أثناء ممارسته وظيفته النيابية، وهي الحصانة المنصوص عليها في المادة التاسعة والثلاثين من الدستور، التي جاءت بصيغة مطلقة عندما قررت أنه لا تجوز إقامة دعوى جزائية على أي عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يبديها مدة نيابته.
وتعد هذه الحصانة من أهم ضمانات العمل البرلماني، لأنها تؤمن للنائب، بمن في ذلك رئيس مجلس النواب، الحرية الكاملة في التعبير عن آرائه السياسية والتشريعية والرقابية دون خوف من التعرض للملاحقة القضائية أو الضغوط السياسية. ولذلك فإن هذه الحماية لا تقررت لصالح النائب كشخص، وإنما لصالح المجلس النيابي باعتباره السلطة التي تمثل الإرادة الشعبية، إذ لا يمكن تصور رقابة برلمانية حقيقية إذا كان النائب معرضاً للملاحقة بسبب كل رأي أو موقف يبديه داخل المؤسسة التشريعية.
غير أن هذه الحصانة ليست مطلقة من حيث الموضوع، إذ إنها تقتصر على الأعمال المرتبطة مباشرة بالوظيفة النيابية. فالآراء التي يبديها النائب خارج نطاق ممارسة مهمته الدستورية، أو الأفعال التي لا تمت بصلة إلى العمل البرلماني، لا تستفيد من الحماية المقررة في المادة التاسعة والثلاثين، لأن العبرة ليست بصفة الشخص، وإنما بطبيعة العمل الذي صدر عنه. ومن هنا، فإن رئيس مجلس النواب، عندما يمارس صلاحياته الإدارية أو السياسية خارج نطاق المناقشات البرلمانية، لا يمكنه التذرع بحصانة الرأي إذا كان الفعل المنسوب إليه لا يدخل ضمن النشاط النيابي المحمي دستورياً.
أما النوع الثاني من الحصانة، فهو الحصانة الإجرائية المنصوص عليها في المادة الأربعين من الدستور، والتي تمنع، أثناء دورات انعقاد مجلس النواب، اتخاذ إجراءات جزائية بحق أي نائب أو إلقاء القبض عليه إلا بإذن المجلس، باستثناء حالة الجرم المشهود. وهذه الحصانة هي التي أثارت، ولا تزال، أكبر قدر من الجدل في لبنان، لأنها تتعلق مباشرة بإمكانية تحريك الدعوى العامة بحق أعضاء السلطة التشريعية.
ويلاحظ أن الدستور لم يمنع الملاحقة بصورة مطلقة، ولم يمنح النائب أو رئيس المجلس إعفاءً من المسؤولية الجزائية، وإنما قيد اتخاذ بعض الإجراءات خلال فترة زمنية محددة هي دورات الانعقاد. وبذلك، فإن الحصانة الإجرائية لا تمحو الجريمة، ولا تؤدي إلى سقوط الدعوى العامة، ولا تمنع القضاء من ممارسة اختصاصه بصورة نهائية، وإنما تؤجل بعض الإجراءات إلى حين الحصول على إذن المجلس أو انتهاء دور الانعقاد، بحسب الأحوال.
وهذه الطبيعة المؤقتة للحصانة تؤكد مرة جديدة أن المشترع الدستوري لم يقصد حماية الأشخاص، وإنما حماية المؤسسة التشريعية من أي تعطيل قد ينتج عن توقيف أحد أعضائها أو ممارسة ضغوط عليه أثناء انعقاد المجلس. ولذلك، فإن انتهاء دور الانعقاد يؤدي، من حيث الأصل، إلى زوال هذا القيد الإجرائي، ما لم يكن هناك مانع قانوني آخر.
ومن اللافت أن الدستور اللبناني لم يمنح رئيس مجلس النواب أي سلطة منفردة في موضوع الحصانة، فلا يستطيع رفع الحصانة عن نفسه أو عن غيره من النواب، كما لا يستطيع منع المجلس من اتخاذ القرار المناسب بشأن طلبات رفع الحصانة. فالقرار يعود إلى الهيئة العامة لمجلس النواب وفق الأصول الدستورية والنظام الداخلي، الأمر الذي يؤكد أن الحصانة ليست حقاً شخصياً للنائب، وإنما ضمانة مقررة للمجلس كسلطة دستورية.
ويترتب على ذلك أيضاً أن رئيس مجلس النواب لا يملك، بصفته رئيساً، أي امتياز إضافي إذا كان هو نفسه موضوع طلب رفع الحصانة. ففي هذه الحالة، يخضع للإجراءات ذاتها التي يخضع لها أي نائب آخر، ويتولى المجلس ممارسة اختصاصه وفق القواعد العامة، دون أن يرتب منصب الرئيس مركزاً قانونياً متميزاً.
ويؤدي هذا التحليل إلى معالجة إحدى أكثر الأفكار تداولاً في الحياة السياسية اللبنانية، وهي الاعتقاد بأن رئيس مجلس النواب يتمتع بحصانة دائمة تمنع القضاء من الاقتراب منه. فالواقع أن القضاء العدلي يبقى، من حيث المبدأ، المرجع الطبيعي للنظر في الجرائم العادية المنسوبة إلى رئيس المجلس، لأنه لا يوجد في الدستور أي نص ينقل هذا الاختصاص إلى هيئة استثنائية، كما هو الحال بالنسبة لرئيس الجمهورية أو للوزراء في بعض الحالات المتعلقة بممارسة وظائفهم.
ويعني ذلك أن الإشكالية لا تتعلق بالاختصاص القضائي، وإنما بالقيود الإجرائية المؤقتة التي يفرضها الدستور على مباشرة بعض الإجراءات أثناء دورات الانعقاد. أما خارج هذه الحدود، فإن رئيس مجلس النواب يبقى خاضعاً للقضاء العدلي وفق القواعد العامة، شأنه شأن أي نائب آخر.
وقد ثار في الفقه اللبناني نقاش حول ما إذا كانت بعض الأعمال التي يقوم بها رئيس مجلس النواب في إطار إدارة السلطة التشريعية يمكن أن تعد من أعمال السيادة أو من الأعمال البرلمانية غير القابلة للرقابة القضائية. إلا أن الاتجاه الغالب يميز بين القرارات البرلمانية التي تتصل بتنظيم العمل الداخلي للمجلس، والتي تتمتع باستقلال واسع انسجاماً مع مبدأ الفصل بين السلطات، وبين الأفعال الشخصية التي قد تشكل جرائم جزائية أو أخطاء مدنية، والتي تبقى خاضعة للقضاء المختص.
ويبرز هنا دور النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي ينظم صلاحيات رئيس المجلس وإدارة الجلسات وأعمال اللجان والإجراءات البرلمانية، إلا أن هذا النظام، رغم أهميته، لا يستطيع إنشاء حصانات جديدة لم ينص عليها الدستور، لأن النظام الداخلي يبقى في المرتبة الأدنى من الدستور، ولا يجوز له تعديل أحكامه أو توسيع نطاق الاستثناءات الواردة فيه.
ومن ثم، فإن أي قراءة قانونية تعتبر أن لرئيس مجلس النواب حصانة مستقلة استناداً إلى النظام الداخلي أو إلى الأعراف البرلمانية تكون قراءة غير منسجمة مع مبدأ تدرج القواعد القانونية، إذ إن الحصانات الدستورية لا تستحدث بالعرف، ولا تستمد مشروعيتها من الممارسة السياسية، وإنما من النصوص الدستورية وحدها.
ومن خلال مراجعة الفقه الدستوري المقارن، يتبين أن هذا الاتجاه يكاد يكون مستقراً في غالبية الأنظمة البرلمانية. ففرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلجيكا، وغيرها من الدول التي تعتمد نظاماً برلمانياً، لا تمنح رئيس البرلمان حصانة تختلف عن تلك المقررة لبقية أعضاء البرلمان، لأن الرئاسة تعد وظيفة تنظيمية داخل المؤسسة التشريعية، وليست مركزاً دستورياً مستقلاً ينشئ امتيازات قضائية إضافية. وقد يكون لرئيس البرلمان نفوذ سياسي واسع، أو دور دستوري مؤثر، إلا أن ذلك لا يؤدي إلى تعديل قواعد المسؤولية أو إنشاء حماية قانونية غير منصوص عليها.
وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، لأنها تؤكد أن ما نشأ في الحياة السياسية اللبنانية من اعتقاد بوجود حصانة خاصة لرئيس مجلس النواب لا يجد له نظيراً في الفقه الدستوري المقارن، الذي يحرص على الفصل بين المكانة السياسية للشخص وبين المركز القانوني الذي يحدده الدستور.
ومن هنا، تنتقل الدراسة إلى الإشكالية الأكثر حساسية، وهي العلاقة بين الحصانة البرلمانية ومبدأ المساواة أمام القانون، ومدى إمكانية تحول الحصانة، بفعل سوء التطبيق أو الاستعمال السياسي، من ضمانة دستورية لحماية السلطة التشريعية إلى وسيلة تعيق عمل القضاء أو تؤخر تحقيق العدالة، وهي المسألة التي ستقود إلى الخلاصة النهائية لهذه الدراسة، حيث سنعود إلى عنوان السلسلة "بين القانون والشائع"لتمييز ما قرره الدستور اللبناني فعلاً، عما أضافته الممارسة السياسية عبر العقود.