خاص – ايست نيوز
وتقود الإشكالية المتعلقة باختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء إلى سؤال أكثر عمقاً، يتمثل في مدى اختصاص القضاء العدلي بالنظر في الجرائم المنسوبة إلى رئيس الجمهورية، ولا سيما عندما تكون هذه الجرائم لا تدخل، في ظاهرها، ضمن مفهومي خرق الدستور أو الخيانة العظمى. وقد انقسم الفقه الدستوري اللبناني منذ عقود حول هذه المسألة إلى اتجاهين رئيسيين، لكل منهما مرتكزاته الدستورية والمنطقية.
يرى الاتجاه الأول أن المادة الستين من الدستور أنشأت اختصاصاً حصرياً واستثنائياً للمجلس الأعلى بالنسبة إلى كل ما يصدر عن رئيس الجمهورية أثناء ممارسته مهامه، سواء تعلق الأمر بخرق الدستور أو بالخيانة العظمى أو بالجرائم العادية المرتبطة بالوظيفة الرئاسية، انطلاقاً من أن النص الدستوري لم يكتف بتحديد الجهة المختصة بالمحاكمة، بل وضع نظاماً متكاملاً للمساءلة يستبعد أي تدخل للقضاء العدلي طوال مدة الولاية. ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الغاية من النص ليست حماية شخص الرئيس بقدر ما هي حماية استقرار مؤسسة الرئاسة ومنع تعطيلها من خلال ملاحقات قضائية قد تستخدم لأغراض سياسية أو كيدية، خصوصاً في نظام يقوم على التوازنات الدقيقة بين السلطات والطوائف.
في المقابل، يذهب اتجاه فقهي آخر إلى أن الاستثناء الوارد في المادة الستين يجب تفسيره تفسيراً ضيقاً، باعتبار أن الاستثناءات على مبدأ خضوع الجميع للقضاء العادي لا يجوز التوسع فيها. وبناءً عليه، فإن اختصاص المجلس الأعلى ينحصر حصراً في الجرائم الدستورية التي حددها النص، أي خرق الدستور والخيانة العظمى، بينما تبقى الجرائم الجزائية العادية التي لا تتصل مباشرة بممارسة الوظيفة الرئاسية خاضعة، من حيث المبدأ، للقواعد العامة، مع مراعاة القيود الإجرائية التي يفرضها الدستور خلال مدة الولاية. ويستند هذا الرأي إلى أن المادة الستين نفسها أحالت الجرائم العادية إلى القوانين العامة، وهو ما يفيد أن المشترع الدستوري لم يشأ إخراجها بصورة مطلقة من اختصاص القضاء العدلي، وإنما نظم فقط آلية الملاحقة خلال وجود الرئيس في منصبه.
وتزداد هذه المسألة تعقيداً عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، إذ يثور التساؤل حول ما إذا كانت الحماية الإجرائية التي أقرها الدستور تبقى قائمة بعد زوال الصفة الرئاسية، أم أن الرئيس السابق يعود مواطناً عادياً يخضع للقواعد العامة شأنه شأن أي شخص آخر. وهنا أيضاً لم يحسم الدستور اللبناني الأمر بصورة صريحة، الأمر الذي فتح الباب أمام اجتهادات فقهية متعددة.
فالاتجاه الأول يعتبر أن انتهاء الولاية يؤدي حكماً إلى انتهاء النظام الاستثنائي للمساءلة، لأن الحكمة التي بررت وجوده، والمتمثلة في حماية حسن سير مؤسسة الرئاسة، تزول بزوال الصفة الدستورية. وبالتالي، فإن الرئيس السابق يصبح قابلاً للملاحقة أمام القضاء المختص وفق القواعد العامة بالنسبة إلى الجرائم التي لا تدخل ضمن اختصاص المجلس الأعلى، في حين تبقى الأفعال التي تدخل في إطار الخيانة العظمى أو خرق الدستور خاضعة للنظام الدستوري الخاص، لأن طبيعة الفعل لا تتغير بانتهاء الولاية.
أما الاتجاه الثاني، فيرى أن الأفعال المرتبطة مباشرة بممارسة الوظيفة الرئاسية لا يمكن فصلها عن الاختصاص الدستوري الذي رسمه الدستور، حتى بعد انتهاء الولاية، لأن العبرة ليست بصفة الشخص وقت الملاحقة، وإنما بصفته وقت ارتكاب الفعل. ويؤدي هذا التفسير إلى بقاء المجلس الأعلى صاحب الاختصاص بالنسبة إلى تلك الأفعال، حفاظاً على وحدة النظام الدستوري ومنع تغيير المرجع القضائي تبعاً للزمن.
ويلاحظ أن غياب السوابق القضائية الصادرة عن المجلس الأعلى جعل هذا النقاش يبقى في الإطار النظري، ولم يسمح بتكوين اجتهاد دستوري مستقر يحسم الخلاف. كما أن محدودية عمل المجلس الأعلى، منذ إنشاء الجمهورية وحتى اليوم، جعلت النصوص الدستورية المتعلقة بمساءلة رئيس الجمهورية أقرب إلى الأحكام المعطلة منها إلى القواعد القضائية الفاعلة، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول مدى فعالية هذه الآلية في تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها.
ومن خلال مراجعة الفقه الدستوري اللبناني، يتبين أن عدداً من كبار الباحثين، وفي مقدمتهم إدمون رباط، شددوا على أن النظام الخاص بمساءلة رئيس الجمهورية لا يجب أن يفهم على أنه إعفاء من المسؤولية، وإنما هو تنظيم دستوري لها ينسجم مع الطبيعة الخاصة لرئاسة الدولة في النظام البرلماني. كما يؤكد الفقه اللبناني المعاصر أن فلسفة المادة الستين لا تقوم على فكرة الامتياز الشخصي، بل على حماية المؤسسة الدستورية من التعسف السياسي، مع إبقاء إمكانية المحاسبة قائمة متى توافرت الشروط الدستورية.
وتؤيد المقارنة مع الأنظمة الدستورية الأخرى هذا الاتجاه. ففي فرنسا، مر النظام الدستوري بتحولات مهمة انتهت إلى تكريس مسؤولية رئيس الجمهورية ضمن آليات دستورية محددة، مع الإبقاء على الحماية الإجرائية طوال مدة الولاية، دون اعتبارها إعفاءً دائماً من المسؤولية. كما أن النظام الإيطالي ربط مساءلة رئيس الجمهورية بحالات استثنائية تتعلق بالخيانة العظمى أو انتهاك الدستور، وأسند الاختصاص إلى المحكمة الدستورية بعد توجيه الاتهام من البرلمان، وهو ما يعكس اتجاهاً عاماً في الأنظمة الديمقراطية يقوم على الفصل بين حماية الوظيفة العامة وبين تحصين الشخص الذي يتولاها.
ويكشف هذا التطور المقارن أن معظم الديمقراطيات الحديثة لم تعد تنظر إلى الحصانات باعتبارها امتيازات، وإنما باعتبارها وسائل إجرائية مؤقتة هدفها تحقيق التوازن بين استقرار المؤسسات وحق المجتمع في المحاسبة. ولذلك، فإن الاتجاه العالمي يميل بصورة متزايدة إلى تضييق نطاق الحصانات وتفسيرها تفسيراً ضيقاً، انسجاماً مع مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
وفي ضوء ذلك، يصبح من الضروري إعادة قراءة المادة الستين بعيداً من التفسيرات السياسية التي سادت خلال العقود الماضية. فالقراءة القانونية الدقيقة لا تقود إلى القول إن رئيس الجمهورية فوق القانون، كما لا تبرر القول بإمكان ملاحقته كأي موظف عادي أثناء وجوده في منصبه. بل إن النص الدستوري أقام توازناً دقيقاً بين الاعتبارين، فجعل المسؤولية قائمة، لكنه نظم طريق الوصول إليها عبر إجراءات استثنائية تفرض مشاركة السلطة التشريعية وهيئة قضائية دستورية خاصة.
غير أن التجربة اللبنانية أثبتت أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في التطبيق. فالنظام الدستوري وضع آلية للمساءلة، إلا أن الحياة السياسية لم تسمح عملياً بتفعيلها، سواء بسبب الانقسامات السياسية، أو صعوبة تأمين الأكثرية المطلوبة للاتهام، أو بسبب غياب الإرادة السياسية، أو نتيجة عدم تحول المجلس الأعلى إلى مؤسسة قضائية دستورية تمارس اختصاصها بصورة فعلية. وهكذا، نشأت فجوة بين النص الدستوري والواقع العملي، تحولت مع مرور الزمن إلى اعتقاد راسخ لدى الرأي العام بأن رئيس الجمهورية يتمتع بحصانة مطلقة، في حين أن النصوص الدستورية لا تقول ذلك.
ومن هنا، يمكن الوصول إلى النتيجة المركزية التي تشكل جوهر هذه الدراسة. فالحصانة الرئاسية في النظام الدستوري اللبناني ليست حصانة شخصية، ولا امتيازاً يمنح لرئيس الجمهورية بوصفه فرداً، وإنما هي تنظيم دستوري استثنائي للمساءلة فرضته طبيعة الوظيفة الرئاسية ومقتضيات استقرار مؤسسات الدولة. إلا أن هذا التنظيم لا يؤدي إلى انعدام المسؤولية، بل إلى إخضاعها لإجراءات تختلف عن تلك المطبقة على سائر المواطنين. ومن ثم، فإن الخلط بين الحماية الإجرائية والإفلات من العقاب يمثل أحد أبرز أسباب سوء فهم النظام الدستوري اللبناني.
وهنا تتجلى بوضوح الفكرة التي انطلقت منها هذه السلسلة تحت عنوان "الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع". فبينما يؤكد القانون أن رئيس الجمهورية مسؤول، ولكن وفق آلية دستورية خاصة، رسخت الممارسة السياسية في أذهان اللبنانيين فكرة مغايرة مفادها أن رئيس الجمهورية محصن بصورة مطلقة ضد أي مساءلة. والحقيقة أن النصوص الدستورية لا تمنح مثل هذا الامتياز، وإنما تمنح المؤسسة الرئاسية حماية إجرائية مؤقتة لضمان حسن سيرها، على أن تبقى المسؤولية قائمة كلما توافرت شروطها الدستورية والقانونية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الدستوري اللبناني لا يتمثل في إلغاء الحصانات أو توسيعها، بل في إعادة التوازن بين مقتضيات حماية المؤسسات الدستورية وحق المجتمع في محاسبة من يتولى السلطة. فالدولة التي تعجز عن حماية رئيسها من الدعاوى الكيدية تهدد استقرار مؤسساتها، والدولة التي تعجز عن مساءلة رئيسها عندما يقتضي القانون ذلك تهدد مبدأ سيادة القانون ذاته. وبين هذين الاعتبارين رسم الدستور اللبناني طريقاً وسطاً، إلا أن نجاحه بقي مرهوناً بإرادة سياسية وقضائية لم تتوافر دائماً في التطبيق.