عاجل:

بعد ملف رياض سلامة... هل تدق ساعة محاسبة علي حسن خليل والمنظومة المالية؟

  • ٦٨

مع تصاعد المسارات القضائية التي طالت حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، عاد إلى الواجهة سؤال يطرحه عدد متزايد من اللبنانيين والخبراء الاقتصاديين "هل كان الانهيار المالي نتيجة سياسات نقدية فقط، أم أن المسؤولية تمتد إلى منظومة كاملة شاركت في إدارة المالية العامة وصنع القرار الاقتصادي؟"

هذا السؤال لم يعد يقتصر على النقاش السياسي، بل بات محور تقارير إعلامية ودراسات وتصريحات لخبراء ومسؤولين سابقين، تناولت دور الحكومات المتعاقبة ووزارة المالية والمصارف التجارية ومصرف لبنان في المرحلة التي سبقت الانهيار.

وزارة المالية في دائرة النقاش

شغل وزير المالية السابق علي حسن خليل حقيبة المالية بين عامي 2014 و2020، وهي المرحلة الحرجّة التي شهدت استمرار ارتفاع الدين العام، واتساع الفجوة المالية، وإطلاق الهندسات المالية التي نفذها مصرف لبنان عام 2016.

وفي تقرير نشرته مجلة "المجلة" بعنوان "دور المالية بيد الثنائي الشيعي في الانهيار الاقتصادي للبنان"، استعرضت مسار وزارة المالية خلال تلك المرحلة، معتبرة أن بقاء الحقيبة لسنوات طويلة في عهدة فريق سياسي واحد جعلها شريكًا أساسيًا في إدارة السياسات المالية التي سبقت الانهيار، وأن وزارة المالية كانت جزءًا من منظومة اتخاذ القرار الاقتصادي إلى جانب مصرف لبنان والحكومات المتعاقبة.

ورأى التقرير أن الهندسات المالية لم تكن مجرد إجراءات نقدية منفصلة، بل جاءت ضمن بيئة مالية وسياسية سمحت باستمرار نموذج اقتصادي قائم على الاستدانة واستقطاب الودائع لتمويل العجز، قبل أن ينهار هذا النموذج بالكامل.

اتهامات مباشرة

الخبير الاقتصادي ماهر أبو شقرا ذهب أبعد من ذلك، إذ كتب عبر منصة "إكس": "إن الثلاثي وزير المالية السابق علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف هي الجهات التي تتحمل المسؤولية الكبرى في الانهيار المالي والنقدي والمصرفي. منهم الذي هندس، ومنهم الذي غطى، ومنهم الذي استفاد بأرباح غير مشروعة وراكم الثروات."

ويمثل هذا الرأي أحد المواقف الاقتصادية المنشورة التي تحمل مسؤولية مشتركة لمصرف لبنان ووزارة المالية والقطاع المصرفي، وهو يعكس وجهة نظر صاحبه ولا يشكل حكمًا قضائيًا.

خطاب التطمين وسلب الوعي: الخديعة الكبرى قبل الانهيار

بالعودة إلى التصريحات العلنية قبل الأزمة، يظهر أن المسؤولين الماليين لم يكتفوا بسوء الإدارة، بل قادوا خطاب تطمينٍ ممنهج ومضلل بعثوا من خلاله برسائل متكررة للشعب. فقد أكد علي حسن خليل في أكثر من مناسبة أن "لبنان ليس مفلسًا"، وأن الاستقرار المالي قائم، وتحدث عن إجراءات إصلاحية وخطط لمعالجة الأوضاع الاقتصادية، في وقت كان فيه رياض سلامة يكرر معزوفته الشهيرة عن متانة القطاع المصرفي واستقرار الليرة اللبنانية.

وفي تموز 2019، نقلت وسائل إعلام عن خليل قوله إن "لبنان ليس مفلسًا"، معتبرًا أن الأزمة السياسية هي التي تؤثر في الاقتصاد أكثر من الواقع المالي نفسه.

هذا الخطاب التخديري والتطمين الزائف يتحمل مسؤولية مباشرة في خداع الناس، واستدراجهم، ومنعهم قسراً من اتخاذ أي تدابير حمائية؛ لقد حُرم المواطنون من فرصة إنقاذ جنى أعمارهم، سواء بسحب أموالهم، أو استثمارها في الخارج، أو على أقل تقدير "تخباية قرشهم الأبيض ليومهم الأسود"، ذلك اليوم الذي لوّنته الطبقة السياسية والاقتصادية بالسواد المطلق، تاركةً الشعب يصحو على كابوس انهيار سعر صرف الليرة، وفرض قيود غير قانونية (كابيتال كونترول أمر واقع) على الودائع، وتوقف الدولة عن سداد ديونها، وتبدأ أكبر أزمة مالية في تاريخ لبنان الحديث بحسب توصيف البنك الدولي.

من يتحمل المسؤولية؟ والتحرك القضائي المطلوب

لا يوجد حتى اليوم حكم قضائي يدين علي حسن خليل في ملف الانهيار المالي، كما أنه نفى في أكثر من مناسبة ارتكاب أي مخالفات، معتبرًا أن الأزمة هي نتيجة تراكم سياسات مالية واقتصادية امتدت لعقود وتعاقبت عليها حكومات متعددة.

في المقابل، يرى عدد من الخبراء والباحثين أن مسؤولية الانهيار لا يمكن حصرها بشخص واحد، بل تشمل منظومة القرار المالي بكاملها. وهنا، بات من المفروض والملحّ، إلى جانب تسيير ملف رياض سلامة، أن يتحرك القضاء العادل، النظيف، والمستقل ليضع النقاط على الحروف؛ فكل من تواطأ، وخدع، وخطط، وساهم في هذا الانهيار التاريخي، يجب أن يمتثل أمام القضاء دون خطوط حمراء أو محظورات سياسية.

بين المسؤولية السياسية والقضائية: مطالعة قانونية مستندة

يميّز القانون عادةً بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجزائية. فالأولى قد تترتب على الخيارات السياسية، أما الثانية فلا تثبت إلا بقرار قضائي يستند إلى أدلة ووقائع. ولكن، هل يعني ذلك استحالة المحاسبة قانونياً؟

تستند "إيست نيوز" في تقريرها هذا إلى مطالعة قانونية رفيعة أعدها محامي مطلع وخبير حول "أصول ملاحقة ومحاكمة المسؤولين اللبنانيين في القضايا المالية الكبرى"، والتي تشكل المرجعية الصلبة لفتح ملفات وزراء المالية السابقين، وتتلخص بالنقاط التالية:

1. الجرائم الجزائية العادية مقابل الإخلال بالواجبات: توضح المطالعة أن التمييز بين "الإخلال بالواجبات الوزارية" (المادة 70 من الدستور التي تتطلب موافقة ثلثي مجلس النواب للإحالة إلى المجلس الأعلى) وبين "الجرائم الجزائية العادية" هو الفصل الأساسي. فإذا ثبتت تهم مثل الاختلاس (المادة 351 عقوبات)، أو الرشوة، أو التزوير، أو استثمار الوظيفة (المادة 357)، فإن الصلاحية تنعقد للقضاء العادي (النيابة العامة، قاضي التحقيق، محكمة الجنايات) بمجرد رفع الحصانة، ولا تحتاج إلى معجزة ثلثي البرلمان.

2. قانون الإثراء غير المشروع الجديد (189/2020): وهو السلاح القانوني الأبرز الذي حل مكان قانون 1999؛ إذ يفرض هذا القانون تصاريح دورية للذمة المالية، ويعتبر أن أي مسؤول تزداد ثروته بشكل كبير مقارنة بمداخيله، يقع عليه عبء إثبات وتبرير مشروعية هذه الثروة. وفي حال العجز، يُعتبر مرتكبًا لجرم الإثراء غير المشروع ويحاكم، بل ويمكن استرداد الأموال منه، حيث أسقط هذا القانون قواعد مرور الزمن والحصانات عن الموظفين الإداريين.

3. التداخل الجرمي وإسقاط التغطية: تؤكد المطالعة أن "التغطية القانونية أو السياسية" لقرارات المصرف المركزي لا تحمي وزراء المالية إذا اقترنت عناصرها المادية بجرم جزائي مستقل، وتؤكد أن الاستقالة لا تمنع الملاحقة (المادة 72 من الدستور).

بناءً على هذه المطالعة، فإن فتح النقاش القضائي ليس مجرد تقييم إعلامي، بل هو مسار قانوني واجب التطبيق ومكتمل الأركان إذا ما توافرت الإرادة القضائية لكسر جدار الحصانات.

هل تكتمل الحقيقة؟

مع تطور التحقيقات المتعلقة بمرحلة الانهيار المالي، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستقتصر المحاسبة على حاكم مصرف لبنان السابق، أم ستشمل أيضًا كل من شارك في إدارة السياسة المالية والنقدية خلال السنوات التي سبقت الانهيار؟

الإجابة النهائية لا يقدمها الإعلام ولا السياسة، بل القضاء، عبر تحقيقات شفافة تحدد مسؤولية كل طرف استنادًا إلى الأدلة والوثائق (محاضر مجلس الوزراء، موازنات، تقارير ديوان المحاسبة، وتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين)، بعيدًا عن الانتقائية، وبما يضمن كشف الحقيقة الكاملة وبتر يد الفساد أمام اللبنانيين.

المنشورات ذات الصلة