عاجل:

العراق يستعيد الأموال المنهوبة: فمتى يحين دور لبنان؟

  • ٣١

في العراق، لم يعد استرداد الأموال المنهوبة شعارًا انتخابيًا يُرفع في مواسم السياسة، بل تحوّل إلى مسار قضائي وأمني ومالي متكامل. فخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت السلطات العراقية ضبط 127 مليار دينار عراقي و24 مليون دولار في قضية مصافي النفط، إلى جانب مليون دولار وخمسة كيلوغرامات من الذهب داخل منزل وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي. كما أسفرت حملة "صولة الفجر" عن توقيف عشرات المتهمين، بينهم مسؤولون ونواب ورجال أعمال، فيما نجحت بغداد في استعادة ملايين الدولارات من الخارج، بينها أموال أعيدت من حسابات في مصارف لبنانية بعد تنفيذ الأحكام القضائية العراقية، إضافة إلى استرداد أكثر من مليار و700 مليون دولار من أحد المدانين الفارين في الأردن.

هذه الوقائع لا تعني أن العراق انتصر نهائيًا في معركته مع الفساد، لكنها تؤكّد أن الدولة، متى توفرت الإرادة، تستطيع الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على اللبنانيين: إذا كان العراق، بكل تعقيداته السياسية والأمنية، استطاع أن يفتح هذا الملف بهذا الزخم، فما الذي يمنع لبنان من أن يسلك الطريق نفسه؟

في لبنان، لم يعد ملف الأموال المنهوبة مجرد قضية سياسية، بل أصبح أحد مفاتيح الخروج من الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019. فمنذ ذلك التاريخ، تعاقبت الوعود بإطلاق ورشة محاسبة شاملة، وتقدمت اقتراحات قوانين عدة لاسترداد الأموال المنهوبة، أبرزها الاقتراحان اللذان قدّمهما النائب سامي الجميل والوزير السابق جبران باسيل، إلا أن هذه المبادرات بقيت حبيسة الأدراج، فيما ظل اللبنانيون ينتظرون خطوات عملية لم تأتِ.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل يحتاج لبنان فعلًا إلى قانون جديد؟

يرى عدد من القانونيين أن الجواب هو "لا". فالتشريعات اللبنانية الحالية، وفي مقدمها قانون الإثراء غير المشروع وقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، تمنح القضاء صلاحيات واسعة لتعقب الأموال غير المشروعة، وتجميدها ومصادرتها عند ثبوت الجرائم. وبالتالي، فإن المشكلة لا تكمن في نقص النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية التي تضمن تطبيقها بعيدًا عن التدخلات والضغوط.

وتزداد أهمية هذا الملف أمام حجم الخسائر التي تكبدها لبنان. فبحسب تقديرات خبراء اقتصاديين، تجاوزت الأموال المنهوبة أو المهدورة منذ عام 1975 سبعين مليار دولار، فيما كشف حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أن ديون الدولة تجاه المصرف المركزي باتت تفوق بثلاثة أضعاف الرقم الذي كان معلنًا سابقًا، مشيرًا إلى التوجه للاستعانة بخبراء قانونيين محليين ودوليين لاسترداد حقوق المصرف، بما يتيح تخصيصها لاحقًا لتعويض المودعين.

وفي موازاة ذلك، بدأت تظهر مؤشرات قضائية غير مسبوقة في الداخل اللبناني. فقد رفع مصرف لبنان دعاوى بحق حاكمه السابق رياض سلامة في ملف بيع أسهم "بنك عوده" المعروف بملف "هرمس"، كما طالت الملاحقات مسؤولين مصرفيين آخرين. صحيح أن هذه الملفات لا تزال في بداياتها، لكنها تعكس انتقالًا من مرحلة تبادل الاتهامات السياسية إلى مرحلة اللجوء إلى القضاء استنادًا إلى مستندات وملفات مالية.

غير أن التجربة العراقية تكشف أن استرداد الأموال لا يقتصر على الملاحقات الداخلية. فقد أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية العراقية أن من أبرز أدواتها التعاون مع الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول"، إلى جانب الاتفاقيات الثنائية والوفود التفاوضية مع الدول التي أودعت فيها الأموال المهرّبة. ورغم أن اختلاف القوانين والسرية المصرفية في بعض الدول لا يزالان يشكلان عقبة أمام استعادة الأموال، فإن العراق نجح في تحقيق نتائج ملموسة بفضل هذا التعاون الدولي.

وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف في لبنان. فاسترداد الأموال التي خرجت إلى الخارج يتطلب أكثر من قرارات محلية؛ إنه يحتاج إلى تحرك قضائي منظم، وإلى تفعيل التعاون مع الدول الأجنبية، والاستفادة من الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الفساد وغسل الأموال، بما يسمح بتعقب الأموال ومصادرتها حيثما وجدت.

لكن العقبة الأكبر تبقى داخلية. فالمحاسبة في لبنان لا تزال تصطدم بحسابات سياسية وطائفية تجعل أي ملاحقة قابلة للتأويل على أنها استهداف لفريق دون آخر. كما أن القضاء غالبًا ما ينتظر تقارير الأجهزة المختصة قبل أن يتحرك، فيما تتردد بعض المؤسسات في فتح ملفات حساسة خشية الاصطدام بمراكز النفوذ.

ورغم ذلك، تبدو الفرصة متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالحكومة الجديدة رفعت شعار الإصلاح، ومصرف لبنان بدأ يتحرك قضائيًا، كما أن الضغوط الدولية الرامية إلى تشديد الرقابة على القطاع المالي ومكافحة غسل الأموال باتت تفرض على الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات أكثر جدية لاستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وإعادة الانتظام إلى النظام المالي.

إن التجربة العراقية لا تصلح للاستنساخ بحذافيرها، فلكل بلد ظروفه السياسية والقانونية، لكنها تقدم درسًا واضحًا: لا يمكن استرداد الأموال المنهوبة من دون قرار سياسي يحمي القضاء، ومن دون أجهزة رقابية تتحرك بحرية، ومن دون تعاون دولي يلاحق الأموال عبر الحدود.

لبنان لا يحتاج إلى حملات استعراضية أو إلى شعارات جديدة. ما يحتاجه هو أن تتحول النصوص القانونية إلى أفعال، وأن تُرفع الحصانات السياسية عن كل من يثبت تورطه في هدر المال العام أو تبديد أموال المودعين، وأن تصبح المحاسبة قاعدة لا استثناء.

فاللبناني الذي فقد جنى عمره لم يعد ينتظر خطابات عن مُكافحة الفساد، بل يريد أن يرى الدولة تستعيد حقوقه بالفعل، وأن يدرك أن المال العام ليس مباحًا، وأن من يعتدي عليه سيحاسب مهما كان موقعه.

فهل تتحوّل التجربة العراقية إلى مصدر إلهام للبنان، فتبدأ معركة استرداد الأموال المنهوبة بجدية؟ أم يبقى هذا الملف، كما غيره، رهينة الوعود والمؤتمرات والخطابات، فيما تستمر العدالة في انتظار قرار سياسي لم يحن موعده بعد؟

المنشورات ذات الصلة