عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع

  • ٢٣

خاص – ايست نيوز

يشكّل موضوع الحصانات في النظام الدستوري والقانوني اللبناني واحداً من أكثر المواضيع إثارةً للنقاش القانوني والسياسي، ليس فقط بسبب ارتباطه المباشر بمبدأ سيادة القانون، وإنما أيضاً لأنّه يتصل بجوهر العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الوظيفة العامة والمساءلة، وبين مقتضيات حماية المؤسسات وضمان حسن سيرها من جهة، وحق المجتمع في محاسبة من يتولى إدارة الشأن العام من جهة أخرى. ولعلّ هذا الملف يكتسب أهمية استثنائية في لبنان في ضوء الأزمات السياسية والاقتصادية والإدارية والقضائية المتلاحقة التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، والتي أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول حقيقة الحصانات التي يتمتع بها المسؤولون، وحدودها، وطبيعتها، وما إذا كانت قد بقيت ضمن إطارها الدستوري الأصلي، أم أنها تحولت بفعل الممارسة السياسية إلى وسائل تعيق العدالة وتمنح أصحاب السلطة نوعاً من الحماية التي لم يقصدها المشترع أصلاً.

وانطلاقاً من هذه الإشكالية، نباشر فتح هذا الملف البحثي الأكاديمي تحت عنوان "بين القانون والشائع في الدستور والقانون اللبناني"، سعياً إلى التمييز بين ما يقرره الدستور والقوانين اللبنانية فعلاً، وبين ما ترسخ في الوعي العام وفي الممارسة السياسية من مفاهيم ومعتقدات تعتبر أن بعض المسؤولين يتمتعون بحصانات مطلقة تحول دون ملاحقتهم أو مساءلتهم. فهل توجد فعلاً امتيازات قانونية حمائية لمن يتولون مواقع المسؤولية، أم أن هذه المواقع تُستخدم عملياً للإفلات من المساءلة والعقاب؟ وهل النصوص القانونية هي التي أنتجت هذا الواقع، أم أن التطبيق السياسي والقضائي هو الذي ابتعد عن فلسفة التشريع؟

إن الإجابة العلمية عن هذه الأسئلة تقتضي أولاً إعادة بناء المفهوم القانوني للحصانة بعيداً من الاستخدام السياسي والإعلامي للمصطلح. فالحصانة، في الفقه الدستوري المقارن، ليست امتيازاً شخصياً يمنح للمسؤول بسبب مكانته الاجتماعية أو السياسية، وإنما هي نظام قانوني استثنائي هدفه حماية الوظيفة العامة أو المؤسسة الدستورية من التعسف أو الكيدية أو الضغوط التي قد تؤثر في استقلالها أو تعطل أداءها. ولذلك فإن الفقه الدستوري يميز بصورة واضحة بين حماية الوظيفة وحماية الشخص؛ فالأولى مشروعة لأنها تخدم المصلحة العامة، أما الثانية فتتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون إذا تحولت إلى إعفاء فعلي من المسؤولية.

ومن هنا، فإن فلسفة الحصانات في الأنظمة الديمقراطية الحديثة تنطلق من قاعدة أن الأصل هو الخضوع للقانون، وأن الاستثناء يتمثل في فرض قيود إجرائية مؤقتة على بعض أشكال الملاحقة حفاظاً على انتظام عمل المؤسسات، دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط المسؤولية أو إلغاء إمكانية المحاسبة. فالحصانة لا تلغي الجريمة إذا وقعت، ولا تمحو المسؤولية المدنية أو الجزائية أو التأديبية، وإنما قد تؤخر أو تنظم آلية الملاحقة وفق شروط محددة يفرضها الدستور أو القانون.

ويؤكد الفقه العام أن الحصانات تختلف عن الامتيازات. فالامتياز يمنح صاحبه أفضلية شخصية، بينما الحصانة تفرض تنظيماً خاصاً للإجراءات بسبب طبيعة الوظيفة. كما تختلف الحصانة عن الإعفاء من العقوبة، وعن سقوط الدعوى العامة، وعن عدم المسؤولية. فكل هذه المفاهيم القانونية مستقلة عن بعضها، رغم الخلط الذي يقع بينها في الخطاب السياسي والإعلامي.

وفي لبنان، تتوزع الأحكام المتعلقة بالحصانات بين الدستور، والقوانين التنظيمية، وقوانين الموظفين، وقوانين القضاء العسكري، وقوانين النقابات، وقوانين أصول المحاكمات الجزائية، إضافة إلى الاجتهادات القضائية وآراء مجلس شورى الدولة والفقه القانوني. وهذا التعدد التشريعي أدى إلى نشوء منظومة قانونية معقدة يصعب فهمها من خلال قراءة نص منفرد، إذ إن تحديد حدود كل حصانة يقتضي الجمع بين النصوص الدستورية والتشريعية والتنظيمية، وربطها بالمبادئ الدستورية العامة، وفي مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون، ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ استقلال القضاء.

غير أن الإشكالية اللبنانية لا تكمن في النصوص وحدها، بل في الممارسة. فقد أدى التداخل بين الاعتبارات السياسية والطائفية والإدارية إلى توسيع مفهوم الحصانات بصورة غير منصوص عليها أحياناً، حتى أصبح الرأي العام يتعامل مع كثير من الإجراءات القانونية وكأنها تشكل حصانات أصلية، بينما هي في حقيقتها مجرد أصول إجرائية أو موافقات إدارية أو تنظيمات خاصة بممارسة الدعوى العامة. ومع مرور الزمن، ترسخت قناعة شعبية بأن الوصول إلى موقع رسمي يعني تلقائياً التمتع بحماية تمنع المساءلة، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة تفصل بين النص القانوني والتطبيق العملي.

كما أن تطور القضاء المقارن، ولا سيما بعد تكريس مبادئ مكافحة الفساد وتعزيز استقلال القضاء، أدى إلى إعادة النظر عالمياً في مفهوم الحصانات، بحيث أصبحت معظم الأنظمة الديمقراطية تتجه إلى تضييق نطاقها، وربطها حصراً بمتطلبات الوظيفة، مع تسهيل إجراءات رفعها أو تجاوزها عندما يتعلق الأمر بجرائم الفساد أو الجرائم المالية أو الانتهاكات الجسيمة. وقد انعكس ذلك أيضاً في الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي دعت الدول إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الوظيفة العامة وضمان فعالية التحقيقات والملاحقات القضائية.

أما في لبنان، فإن النقاش غالباً ما يأخذ منحى سياسياً أكثر منه قانونياً. فكثيراً ما تُستخدم عبارة "الحصانة" للدلالة على كل عقبة تواجه التحقيقات، حتى عندما تكون هذه العقبة ناجمة عن نقص في النصوص أو تضارب في الصلاحيات أو بطء في الإجراءات أو اعتبارات دستورية تتعلق بتوزيع الاختصاص بين السلطات. وفي المقابل، قد تُطرح مطالب بإلغاء جميع الحصانات دون التمييز بين الحصانات التي تشكل ضمانة دستورية لحماية المؤسسات، وتلك التي أفرزتها الممارسات السياسية خارج إطار النصوص.

ومن هنا، فإن البحث العلمي يفرض اعتماد منهجية دقيقة تقوم على تحليل النصوص الدستورية والتشريعية وفقاً لقواعد التفسير القانوني، ومقارنتها بالاجتهادات القضائية والفقه المقارن، وصولاً إلى تحديد الطبيعة الحقيقية لكل حصانة، والغاية التي شرعت من أجلها، وحدودها، والجهة المختصة بتطبيقها أو رفعها، ومدى انسجامها مع المبادئ الدستورية العامة.

وسيتناول هذا المشروع البحثي بصورة متدرجة ومتكاملة مختلف مستويات الحصانات في النظام اللبناني، بدءاً من حصانات رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، والوزراء، والنواب، مروراً بحصانات موظفي الفئة الأولى المدنيين، ثم القيادات العسكرية والأمنية، وصولاً إلى الحصانات أو الضمانات التي تتمتع بها بعض النقابات والهيئات المهنية، مع دراسة الفروق بين الحصانات الدستورية، والحصانات الوظيفية، والحصانات الإجرائية، والضمانات التأديبية، والقيود التي تفرضها بعض القوانين الخاصة على الملاحقة أو التحقيق.

كما ستناقش هذه السلسلة العلاقة بين الحصانات والاختصاصات القضائية، وحدود صلاحيات القضاء العدلي، والقضاء الإداري، والمجالس الخاصة، والمحاكم الاستثنائية، والهيئات التأديبية، إضافة إلى دراسة آليات رفع الحصانات، والتمييز بين الإذن بالملاحقة، والإذن بالملاحقة الجزائية، والإذن بالملاحقة التأديبية، والإذن بالملاحقة المدنية، والنتائج القانونية المترتبة على كل منها.

وسوف تتوقف أيضاً عند أثر الحصانات على مكافحة الفساد، واسترداد الأموال العامة، وملاحقة الجرائم المالية، والجرائم الوظيفية، وجرائم الإثراء غير المشروع، وجرائم إساءة استعمال السلطة، ومدى توافق النظام اللبناني مع المعايير الدولية الحديثة في مجال الشفافية والحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.

إن الغاية الأساسية من هذه الدراسة ليست الدعوة إلى إلغاء الحصانات ولا الدفاع عنها بصورة مطلقة، وإنما إعادة وضعها في إطارها الدستوري الصحيح، لأن أي دولة قانون تحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات مستقلة لا تُستهدف بالكيدية السياسية، وإلى قضاء مستقل لا تعوقه امتيازات غير مبررة. فالحصانة التي تحمي استقلال المؤسسة تبقى جزءاً من النظام الدستوري، أما الحصانة التي تتحول إلى وسيلة لتعطيل العدالة أو منع المحاسبة فإنها تفقد مبررها الدستوري وتصبح موضع مراجعة وتشريع واجتهاد.

ومن هذا المنطلق، فإن هذه الدراسة التمهيدية لا تقدم أحكاماً مسبقة، بل تؤسس لمسار علمي وأكاديمي يقوم على العودة إلى النصوص الأصلية، وتحليلها بمنهجية قانونية موضوعية، بعيداً من الانطباعات السياسية أو التصورات الشائعة، تمهيداً لدراسة كل فئة من الفئات المشمولة بالحصانات دراسة مستقلة ومفصلة، تكشف بدقة ما هو مقرر قانوناً وما هو متداول عرفاً أو ممارسة.

وهكذا، فإن فتح هذا الملف تحت عنوان "بين القانون والشائع في الدستور والقانون اللبناني" لا يهدف إلى إعادة إنتاج الجدل السياسي الدائر حول الحصانات، بل إلى الإجابة عن السؤال المركزي الذي سيبقى محور السلسلة بأكملها: هل أن الحصانات التي أقرها الدستور والقوانين اللبنانية هي ضمانات مؤسساتية لحماية حسن سير السلطات العامة، أم أنها تحولت بفعل الممارسة والتفسيرات المتراكمة إلى مظلة يستخدمها بعض أصحاب السلطة للإفلات من المساءلة والعقاب؟ إن الإجابة العلمية عن هذا السؤال لن تكون حكماً مسبقاً، وإنما ستكون ثمرة تحليل قانوني متدرج يستند إلى النصوص الدستورية، والقوانين النافذة، والاجتهادات القضائية، والفقه الدستوري المقارن، وصولاً إلى رسم صورة دقيقة تميز بين حقيقة القانون وشيوع الممارسة، وبين الحماية المشروعة والامتياز غير المشروع، بما يعزز ثقافة سيادة القانون ويعيد التأكيد أن دولة المؤسسات لا تقوم إلا حين تقترن السلطة بالمسؤولية، والحصانة بالمساءلة، والوظيفة العامة بالخضوع الكامل لأحكام الدستور والقانون.

المنشورات ذات الصلة