عاجل:

إسرائيل تُجنّد الماشية.. حين تتحوّل الأبقار إلى أداة للسيطرة

  • ٣٩

لم يكن إدخال قطيع من الأبقار إلى منطقة تقع خلف السياج الحدودي في الجولان السوري المحتل حدثًا زراعيًا عابرًا، ولا مجرد تجربة ميدانية فرضتها ظروف الرعي.

فالخطوة التي كشفت عنها صحيفة "يديعوت أحرونوت" تكشف، في جوهرها، عن تحوّل عميق في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتؤشر إلى مرحلة جديدة لم تعد فيها السيطرة على الأرض ترتبط فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالحضور المدني الدائم.

أدركت إسرائيل، كما يبدو من خلال النقاشات التي أعقبت الحرب، أن التكنولوجيا مهما بلغت من التطوّر لا تستطيع أن تحل محل الوجود البشري.

فالكاميرات، والأسوار الإلكترونية، وأجهزة الاستشعار، لم تمنع وقوع أكبر اختراق أمني في تاريخها الحديث. لذلك، بدأ التفكير يتجه نحو فلسفة مُختلفة، قوامها أن أفضل وسيلة لحماية الحدود هي عدم تركها فارغة أصلًا، بل إشغالها بحضور مُستمرّ يفرض واقعًا ميدانيًا يصعب تجاوزه.

من هنا جاءت فكرة الاستعانة بالرعاة وقطعان الماشية لفرض وجود يومي في مناطق تعتبرها إسرائيل حساسة أمنيًا.

فالقطيع لا يحمل سلاحًا، لكنه يفرض حركة دائمة على الأرض، والراعي ليس جنديًا، لكنه يتحول إلى عين تراقب كل ما يدور حوله. وهكذا، يصبح النشاط الزراعي جزءًا من المنظومة الأمنية، في تداخل واضح بين المدني والعسكري.

هذه المُقاربة لا يمكن فصلها عن السياسة الإسرائيلية التقليدية القائمة على صناعة الوقائع الميدانية قبل تثبيتها سياسيًا.

فالتجارب السابقة أثبتت أن الوجود المدني كان في كثير من الأحيان مقدمة لترسيخ السيطرة على الأرض، وأن ما يبدأ كمبادرة زراعية أو استيطانية يتحول مع مرور الوقت إلى واقع يصعب تغييره أو التراجع عنه.

ولعل ما يلفت الانتباه في المشروع ليس عدد الأبقار أو مساحة المراعي، بل الرسالة التي يحملها. فإسرائيل تقول عمليًا إنها لم تعد تثق بفكرة الدفاع من خلف الأسوار، بل باتت تؤمن بأن الأمن يبدأ من الوجود المستمر داخل المنطقة نفسها. إنها انتقال من سياسة "حماية الحدود" إلى سياسة "احتلال الفراغ"، بحيث لا تبقى أي مساحة يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف أو مجال لحركة الخصوم.

ولا يقتصر هذا التحوّل على الجولان وحده. فمن يراقب الأداء الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة يلاحظ ميلًا متزايدًا نحو إنشاء مناطق عازلة وفرض حضور دائم في النقاط التي تراها استراتيجية، سواء في الجنوب اللبناني أو في قطاع غزة أو على الحدود مع سوريا. وما يجري في الجولان قد يكون نموذجًا أوليًا لعقيدة أمنية جديدة تسعى إسرائيل إلى تعميمها كلما سنحت الظروف.

في المُقابل، تطرح هذه السياسة إشكاليات قانونية وسياسية كبيرة، لأن استخدام النشاط المدني لتكريس السيطرة في أراضٍ محتلة يمنح الاحتلال أدوات جديدة أقل كلفة من الانتشار العسكري المباشر، وأكثر قدرة على فرض أمر واقع طويل الأمد. 

فحين يصبح الراعي جزءًا من المنظومة الأمنية، وتتحول المزرعة إلى نقطة مراقبة، تصبح الحدود نفسها مفهومًا مختلفًا عما عرفته المنطقة طوال العقود الماضية.

قد تبدو قصة "تجنيد الماشية" غريبة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تختصر الكثير من التحوّلات التي تشهدها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فبعد السابع من تشرين الأول لم تعد تل أبيب تبحث فقط عن تطوير أسلحتها أو تعزيز تحصيناتها، بل عن إعادة تعريف معنى السيطرة على الأرض، عبر الجمع بين القوة العسكرية والوجود المدني في معادلة واحدة. وفي هذا السياق، لم تعد الأبقار مجرّد ماشية، بل تحوّلت إلى رمز لعقيدة أمنية جديدة ترى أن الحضور اليومي قد يحقق ما عجزت عنه التحصينات والأسوار.

وإذا كانت إسرائيل قد نجحت في تحويل قطيع من الأبقار إلى أداة ضمن منظومتها الأمنية، فهل نشهد اليوم ولادة شكل جديد من الاحتلال يبدأ بالوجود المدني وينتهي بفرض وقائع سياسية يصعب التراجع عنها؟

المنشورات ذات الصلة