عاجل:

القاضية رولا صفير فتحت الباب... فهل حان وقت محاكمة "المنظومة الفاسدة"؟

  • ٤٠

خاص - إيست نيوز 

لم يكن غياب حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، عن جلسة استدعائه أمام قاضية التحقيق في بيروت رولا صفير، مجرد تخلّف عابر عن موعد قضائي، بل هو تجسيد حي لنهج "فوقية السلطة" الذي عانى منه اللبنانيون لسنوات.

جلسة المحاكمة التي غاب عنها سلامة، والعائدة للشكوى رقم 49/2021 المقامة ضده من قبل رجل الأعمال الدكتور طلال أبو غزاله بجرائم "استعمال المناورات الاحتيالية وإساءة استعمال السلطة"، تفتح الباب على مصراعيه أمام السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم؛ ألم يحن الوقت ليتحول هذا الملف إلى إخبار رسمي يُلزم القضاء باستدعاء كافة وجوه المنظومة التي مارست الخداع الجماعي؟

تُعرّف القوانين "المناورات الاحتيالية" بأنها إيهام الضحية بوجود مشاريع كاذبة أو إحداث الأمل بربح وهمي لسرقة أمواله. وإذا كان القضاء يبحث اليوم في شبهة ممارسة سلامة لهذا الخداع على المستوى المالي، فإن المنظومة السياسية، بشتى تفرعاتها، مارست المناورات ذاتها على المستوى الوطني وبأبشع صورها.

على مدى سنوات، عاش الشعب اللبناني تحت وطأة جرائم معنوية ونفسية واقتصادية. كانت الشاشات تضج قبل الانتخابات بوعود الاستقرار والإنقاذ، لتتحول بعد إغلاق صناديق الاقتراع إلى كابوس من التضخم والفقر والإنكار. لقد برع الكثير من رجالات السلطة في ارتداء "مئة وجه"، متقنين لعبة كتم الحقائق وبيع الأوهام، حتى صدّقوا أكاذيبهم بينما كان المواطن يبحث عن لقمة عيشه.

والمفارقة الصادمة في المشهد اللبناني لم تعد تحتمل المواربة، شعب يرزح تحت خط الفقر، يرى مدخرات عمره تتبخر، في مقابل طبقة سياسية ومالية تزداد ثراءً ونفوذًا. والعدالة لا يمكن أن تكون مجتزأة؛ فإذا كانت خطوة القاضية رولا صفير تمثل بارقة أمل، وتجسد صورة القاضي الذي يضع القانون فوق أي اعتبار، فإنها يجب أن تكون بداية لمسار قضائي متكامل لا استثناءً فيه ولا انتقائية.

ومن هنا، فإن اللبنانيين يتطلعون إلى أن يكون الجسم القضائي يدًا واحدة في وجه الفساد، منحازًا إلى العدالة وحقوق الناس، لا إلى موازين القوى والضغوط. فالمرحلة السابقة شهدت ملفات شعر فيها كثير من المواطنين بأن العدالة لم تكن دائمًا إلى جانبهم، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالأزمة المالية والنزاعات مع المصارف، ما زاد من اهتزاز ثقة الناس بالقضاء. واليوم، تبقى الفرصة قائمة لاستعادة هذه الثقة من خلال استقلال القضاء ووحدة موقفه في تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء.

كل مسؤول ساهم في تغطية هذا الانهيار، وكل سياسي تلاعب بالرأي العام واغتنى من جيوب الجائعين، يجب أن يمتثل أمام القضاء. وعلى القضاء اللبناني أن يحاسب كل فاعل أو شريك تثبت مسؤوليته عن أي احتيال أو تجاوز طال أموال اللبنانيين، وأن يكون، في مواجهة الفساد، كقبضة يد واحدة لا تتفرق أمام النفوذ أو الضغوط.

إن هذا المقال يُرفع كإخبار علني برسم النيابات العامة والقضاة الشجعان:

أولًا: لاعتبار الخداع السياسي والإعلامي الممنهج الذي أدى إلى تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية، وما قد يكون قد رافقه من أفعال يجرّمها القانون، أمرًا يستوجب التحقيق والتقصي وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته وفق الأصول القانونية.

ثانيًا: للتأكيد على أن الامتثال أمام القضاء ليس خيارًا، بل هو المدماك الأول لإعادة بناء مفهوم الدولة، ولكي يكون كل من تلاعب بمصير العباد والبلاد عبرةً لغيره.

لقد طوى اللبنانيون صفحات الأيام السوداء بكثير من الألم، واليوم لم يعد هناك متسع للمساومة أو التراجع. إن المحاسبة الشاملة والشفافة لمصادري الأحلام والأموال ليست مجرد مطلب شعبي، بل هي الممر الإجباري الوحيد لاستعادة الثقة بلبنان وبقضائه.

لقد حان وقت العدالة... ولن نرضى بأقل من ذلك.

المنشورات ذات الصلة