عاجل:

وسيط غير متوقع يوقف الحرب بين واشنطن و طهران!

  • ١٠

في لحظة بدت مستحيلة قبل أشهر قليلة، نجحت باكستان في انتزاع موقع محوري على طاولة واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعدما لعبت دور الوسيط الرئيسي في التوصل إلى اتفاق أوقف المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وأعاد فتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد بين الطرفين.

وفي قلب هذه الوساطة برز اسم المشير عاصم منير، رئيس أركان القوات المسلحة الباكستانية، الذي تحول من قائد عسكري إلى مهندس دبلوماسي قاد جهوداً مكثفة خلف الكواليس لإخراج واشنطن وطهران من دائرة التصعيد، في خطوة اعتبرها مراقبون أكبر نجاح دبلوماسي تحققه إسلام آباد منذ سنوات.

وجاءت الإشادة الأمريكية بالدور الباكستاني على لسان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس خلال محادثات بورغنستوك في سويسرا، عندما كشف عن حجم التواصل المباشر الذي جمعه بالمشير منير خلال الأشهر الماضية، مؤكداً أنه تحدث إليه أكثر من أي شخصية أخرى تقريباً خلال فترة الأزمة، بحسب "غلوبال آسيا".

وأسفرت الجهود الدبلوماسية عن توقيع مذكرة تفاهم في 17 يونيو الجاري، تضمنت تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، إلى جانب تخفيف جزئي للعقوبات وفتح مسار تفاوضي جديد بشأن الملف النووي الإيراني.

لماذا أصبحت باكستان الخيار الوحيد للوساطة؟

لم يكن اختيار باكستان للقيام بهذا الدور وليد الصدفة، بل جاء نتيجة شبكة معقدة من العلاقات التي بنتها إسلام آباد على مدى سنوات مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

ففي الوقت الذي فقدت فيه بعض القوى الإقليمية التقليدية قدرتها على لعب دور الوسيط بسبب انخراطها المباشر أو غير المباشر في الصراع، احتفظت باكستان بعلاقات مستقرة مع كل من واشنطن وطهران، الأمر الذي منحها هامشاً واسعاً للتحرك.

ويرى مسؤولون وخبراء باكستانيون أن المشير عاصم منير امتلك ميزة إضافية تمثلت في علاقاته الشخصية الممتدة مع مؤسسات الدولة الإيرانية المختلفة، سواء على مستوى الأجهزة الأمنية أو القوات المسلحة أو الحرس الثوري أو القيادة السياسية.

وخلال مسيرته العسكرية، شغل منير مناصب حساسة، أبرزها قيادة الاستخبارات العسكرية ثم رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستانية، وهو ما أتاح له بناء قنوات اتصال مباشرة مع صناع القرار في إيران.

كما ساعدت علاقته الوثيقة بالإدارة الأمريكية الحالية في تعزيز الثقة بدوره؛ فقد تعززت الروابط بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب الأزمة الهندية الباكستانية في عام 2025، عندما أشادت واشنطن بدوره في منع التصعيد بين القوتين النوويتين.

هذه الثقة المزدوجة من واشنطن وطهران جعلت من باكستان منصة مقبولة للطرفين، في وقت كانت فيه الحاجة إلى وسيط قادر على التواصل مع الجانبين أكبر من أي وقت مضى.

دبلوماسية الساعات الأخيرة

بحسب مصادر مطلعة على مسار المفاوضات، لعب المشير منير دوراً مباشراً في إدارة المراحل الأكثر حساسية من عملية الوساطة.

فعندما واجهت المفاوضات خطر الانهيار، سافر شخصياً إلى طهران لإجراء لقاءات مع كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري، في محاولة لإنقاذ المسار التفاوضي وإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.

كما استضافت إسلام آباد جولات مهمة من الاتصالات الأمريكية الإيرانية، في سابقة تعد الأعلى مستوى منذ عقود، حيث تولى منير بنفسه التنسيق بين الوفدين خلال مراحل التفاوض المختلفة.

ووفقاً لروايات مسؤولين باكستانيين، شهدت الأسابيع الأخيرة قبل التوصل إلى الاتفاق مفاوضات مكثفة استمرت على مدار الساعة، مع تبادل مستمر للمقترحات والمسودات بين الطرفين، وسط مخاوف من انهيار الأسواق العالمية واتساع نطاق المواجهة العسكرية.

وأكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن قائد الجيش لعب دوراً محورياً في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة رغم العقبات المتكررة، مشيراً إلى أن المفاوضات مرت بلحظات حرجة كادت تؤدي إلى انهيارها بالكامل.

وخلال الاجتماعات النهائية في سويسرا، تلقى منير إشادات علنية من المسؤولين الأمريكيين والباكستانيين على حد سواء، تقديراً لجهوده في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.

مكاسب استراتيجية

يتجاوز نجاح الوساطة حدود إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يمثل تحولاً مهماً في موقع باكستان على الساحة الدولية.

فعلى مدار العقدين الماضيين، ارتبطت صورة باكستان في كثير من الأحيان بقضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والصراع في أفغانستان، إلا أن نجاحها في رعاية واحدة من أكثر المفاوضات تعقيداً في المنطقة يمنحها فرصة لإعادة تقديم نفسها كقوة دبلوماسية مؤثرة.

ويرى محلّلون أن هذا الإنجاز قد يفتح أمام إسلام آباد آفاقاً جديدة لتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط وإيران في آن واحد، فضلاً عن توظيف هذا الدور لتحقيق مكاسب اقتصادية واستثمارية في مرحلة ما بعد الاتفاق.

كما عزّزت الوساطة مكانة المشير عاصم منير داخلياً، خاصة بعد تعيينه رئيساً لأركان القوات المسلحة الباكستانية، وهو منصب يمنحه إشرافاً موحداً على الجيش والقوات الجوية والبحرية.

وفي الوقت الذي بدأت فيه بنود الاتفاق تدخل حيز التنفيذ، وعادت ناقلات النفط إلى العبور عبر مضيق هرمز، تبدو باكستان أكبر المستفيدين سياسياً من هذا التطور، بعدما نجحت في إثبات قدرتها على لعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح شريكاً رئيسياً في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية.

وبينما يبقى مستقبل الاتفاق مرهوناً بقدرة واشنطن وطهران على الالتزام بتعهداتهما، فإن ما تحقق حتى الآن رسخ حقيقة جديدة في المشهد الدبلوماسي الإقليمي: باكستان لم تعد مجرد مراقب للأحداث، بل أصبحت طرفاً فاعلاً في صناعة التسويات الكبرى.

(ارم)

المنشورات ذات الصلة