عاجل:

طريق المطار بين حرية التعبير وهيبة الدولة: من يحمي صورة لبنان؟

  • ١٩
ليست طريق مطار رفيق الحريري الدولي مُجرّد شارع عادي يربط العاصمة ببوابة البلاد الجويّة، بل هي الواجهة الأولى التي يراها الزائر فور وصوله إلى لبنان، والرسالة البصرية التي تسبق أي خطاب سياسي أو اقتصادي أو سياحي. ومن هنا، فإن كل ما يُرفع على هذه الطريق من شعارات وصور ولافتات يتجاوز في دلالاته الإطار الإعلاني أو الدعائي، ليصبح جزءاً من الصورة التي يقدّمها لبنان عن نفسه أمام العالم.

في الأيام الأخيرة، عاد الجدل إلى الواجهة مع انتشار صور وشعارات مُرتبطة بقيادات إيرانية على طول طريق المطار، الأمر الذي أثار موجة واسعة من التعليقات والاعتراضات على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبرها تعبيرًا سياسيًا مشروعًا، ومن رأى فيها تعديًا على مفهوم السيادة ورمزية الفضاء العام.

جوهر النقاش لا يتعلّق بشخصية هذا المسؤول الأجنبي أو ذاك، ولا بالدولة التي ينتمي إليها، بقدر ما يتعلّق بالسؤال الأعمق: من يملك حقّ تحديد الهُوية البصرية للمرافق العامّة في لبنان؟ وهل يجوز أن تتحول الطرق الرئيسية والمداخل الحيوية إلى ساحات لعرض الولاءات والانتماءات السياسية الخارجية؟

في الدول الحديثة، تُعد المرافق العامّة ملكًا لجميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية والحزبية. لذلك تحرص السلطات على إبقاء هذه المساحات جامعة ومحايدة قدر الإمكان، لأن أي إخلال بهذا التوازن قد يفتح الباب أمام انقسامات إضافية في مجتمع يُعاني أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية مُتراكمة.

القضية لا تقتصر على البعد السياسي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الجانب القانوني والإداري. فتنظيم الإعلانات واللافتات في الأماكن العامة يخضع لشروط وإجراءات محدّدة تتعلّق بالتراخيص والموافقات الرسمية ومراعاة النظام العام والسلامة العامة. كما أن البلديات والمحافظات والأجهزة المختصّة تتحمل مسؤولية متابعة أي مُخالفة واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق القوانين والأنظمة النافذة.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس الدخول في سجال سياسي جديد، بل تطبيق القوانين بمعايير واحدة على الجميع. فالدولة التي تسمح بمُخالفة هنا وتمنعها هناك، تفقد تدريجيًا قدرتها على فرض هيبتها واحترام مؤسّساتها. أما الدولة التي تتعامل مع جميع المُخالفات من منطلق قانوني موحد، فتؤكد حضورها كمرجعية فوق الاصطفافات والانقسامات.

لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة مفهوم الدولة الجامعة. فالمواطن الذي يرزح تحت أعباء الأزمة المعيشية لا يبحث عن مزيد من الاستقطاب السياسي، بل عن مؤسّسات قادرة على إدارة الشأن العام بعدالة وشفافية. كما أن الزائر الذي يصل إلى البلاد يريد أن يرى دولة حاضرة، لا مساحة مفتوحة لتنازع الرسائل السياسية المُتعارضة.

إن حماية السيادة لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على فرض القانون وصون الفضاء العام من أي استخدام يخرج عن الأطر القانونية المُحدّدة. وعندما تصبح بوابة الوطن انعكاساً لسلطة الدولة وهيبتها، يكون لبنان قد خطا خطوة إضافية نحو ترسيخ صورة البلد الذي تحكمه المؤسّسات لا التوازنات الظرفية.

وفي انتظار الحسم الرسمي لهذا الملف، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح الدولة اللبنانية في إعادة الاعتبار إلى الفضاء العام بوصفه ملكًا لجميع اللبنانيين، أم يبقى رهينة التجاذبات السياسية التي لطالما انعكست على تفاصيل الحياة اليومية في البلاد؟
المنشورات ذات الصلة