بينما تقرأ هذه السطور، هناك تريليونات الدولارات تُضخ، وعقول عبقرية تخطط لقطع ملايين الكيلومترات في الفضاء بهدف بناء مستعمرات وقباب زجاجية على كوكب المريخ القاحل.
نعم، للوهلة الأولى، يبدو الأمر جنونًا مطلقًا!
لماذا نتحمل مشقة السفر إلى كوكب ميت، بينما نمتلك على كوكبنا قارة كاملة شاسعة وغير مأهولة وهي "أنتاركتيكا" (القارة القطبية الجنوبية)؟ صحيح أن القطب الجنوبي متجمد وقاسٍ، لكنه مقارنة بالمريخ يُعتبر "منتجعًا فاخرًا"؛ فهناك هواء تتنفسه، وجاذبية تحمي عظامك، وغلاف جوي يدرعك ضد الإشعاع الكوني القاتل. فلماذا المريخ إذن؟
السر لا يكمن في المناخ، بل في تفاصيل أخرى مذهلة تلخصها ثلاث نقاط:
اللعبة السياسية: "ممنوع الاستثمار هنا!"
السبب الأول والمفاجئ قانوني بحت. في عام 1959، وقّعت دول العالم "معاهدة أنتاركتيكا"، والتي حوّلت القارة الجليدية إلى منطقة محايدة يُمنع فيها بناء القواعد العسكرية، أو استخراج المعادن، أو إعلان السيادة والدول. باختصار هي مختبر علمي كبير فقط. هذا الوضع جعل المستثمرين والشركات الكبرى يبتعدون عنها؛ فما النفع من إنفاق المليارات في مكان لا يمكنك فيه تأسيس بيزنس أو إعلان دولتك الخاصة؟ أما المريخ، فهو "منطقة رمادية" خارج حدود القانون الأرضي، مما يجعله الجائزة الكبرى والملعب المثالي لرواد الأعمال الباحثين عن مجدٍ شخصي وثروات لا تحكمها قوانين الأرض.
بوليصة تأمين ضد "فناء البشرية"
السبب الثاني يكمن بنظرة العلماء واستشرافيو المستقبل إلى الأرض، حيث يعتبرونها "كوكبًا مهددًا بالانهيار". فلو ضرب الأرض نيزك عملاق، أو اندلعت حرب نووية مدمرة، فإن المستعمرة الموجودة في القطب الجنوبي ستفنى مع بقية الحضارة. هنا يأتي المريخ كـ "مطار احتياطي" أو "نسخة احتياطية (Backup)" للبشرية. نقل جزء من السكان إلى كوكب آخر هو بمثابة بوليصة تأمين طويلة الأجل تضمن استمرار الجنس البشري في حال حدوث كارثة كبرى تقضي على الحياة فوق الأرض.
حمى الذهب الفضائي والتكنولوجيا الخارقة
السبب الثالث هو أن أنتاركتيكا مغطاة بالجليد وتحتها أرض درسها الجيولوجيون شبرًا بشبر. أما المريخ فهو عالم بكر غامض، ينام على خزانات هائلة من الحديد، النيكل، التيتانيوم، وأنهار جليدية ضخمة تحت سطحه. بالإضافة إلى الثروات، فإن التحدي المريخي يعطي دفعة مرعبة للتطور التكنولوجي البشري؛ إذ يجبرنا على اختراع أنظمة تدوير حياة مغلقة، ومحركات صواريخ خارقة ستنقلنا مستقبلًا إلى أعماق الكون.
المقارنة بين القطب الجنوبي والمريخ هي مقارنة بين "الاستقرار المؤقت في غرفة باردة" وبين "بناء منزل جديد كليًا من الصفر". قد تظل أنتاركتيكا المختبر الأفضل لعلماء الأرض، لكن البشرية اختارت أن تكتب فصلها الجديد على كوكب أحمر بعيد، ليكون غزو المريخ أعظم مغامرة تكنولوجية في تاريخنا!