خاص - إيست نيوز
في النقاشات العامة، كثيرًا ما يُستدعى القانون لا بوصفه مرجعية للفصل في الوقائع، بل كأداة لتدعيم مواقف سياسية مسبقة أو لتسويق سرديات يراد منحها شرعية قانونية. وعندما تختلط القراءة القانونية بالرغبات السياسية، يصبح النص القانوني عرضة للاجتزاء والانتقاء، فتُبرز مواد وتُهمّش أخرى للوصول إلى نتيجة محددة سلفاً.
من هذا المنطلق، تبرز أهمية مقاربة ما نشرته جريدة "الأخبار" في عددها الصادر بتاريخ 9 حزيران 2026 تحت عنوان "المدعي العام يخالف القانون"، إذ إن تقييم القضية يقتضي الفصل بين الموقف السياسي من الشخص المعني أو من الجهة التي ينتمي إليها، وبين مدى سلامة الإجراءات التي اتخذها مدعي عام التمييز. فالنص المنشور يحاول بناء استنتاج مفاده أن ثمة سلسلة مخالفات قانونية ارتكبت بحق محامٍ جرى استدعاؤه على خلفية منشور تضمّن اتهام أهالي بلدة لبنانية بالتعامل مع العدو الإسرائيلي، إلا أن التدقيق القانوني يكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه الاستنتاجات يقوم على قراءة انتقائية للنصوص القانونية وعلى خلط بين الحصانات المهنية والجرائم المشهودة أو الأفعال الجرمية الخارجة عن إطار ممارسة المهنة.
أولاً، إن الحصانة الممنوحة للمحامي ليست حصانة شخصية مطلقة تجعله بمنأى عن الملاحقة أو التحقيق، بل هي ضمانة مرتبطة بممارسة المهنة وبما يصدر عنه أثناء تأدية مهامه المهنية. أما المنشورات الصادرة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تتضمن اتهامات بحق أفراد أو جماعات أو بلدات بأكملها بالعمالة للعدو الإسرائيلي، فهي لا تدخل حكمًا ضمن إطار الدفاع عن موكل أو ممارسة عمل مهني محض، بل يمكن أن تشكل أفعالًا مستقلة تخضع لقوانين القدح والذم وإثارة النعرات والمس بالكرامات الشخصية واتهام المواطنين بجرائم خطيرة من دون دليل قضائي.
ومن هنا يصبح الادعاء بأن مجرد صفة المحامي تمنع الأجهزة الأمنية أو النيابة العامة من التحرك موضع نقاش قانوني جدي، لأن الاجتهادات القانونية والفقهية تميز بين الأفعال المرتبطة مباشرة بممارسة المهنة والأفعال الشخصية الخارجة عنها. وعليه فإن محاولة تصوير أي إجراء بحق محامٍ على أنه اعتداء على مهنة المحاماة بحد ذاتها تفتقد إلى الدقة القانونية.
ثانيًا، يذهب النص إلى اعتبار أن اصطحاب المحامي إلى فرع المعلومات يشكل مخالفة حتمية لقانون تنظيم المهنة بسبب عدم الحصول على إذن مسبق من النقابة. غير أن هذا الطرح يتجاهل أن صلاحيات النيابة العامة في الجرائم التي تمس النظام العام أو التي تستدعي تحركًا سريعًا تمنحها هامشًا واسعًا في اتخاذ التدابير الأولية اللازمة للتحقيق، خصوصًاً عندما يكون الفعل موضوع الملاحقة قد ارتكب بصورة علنية ومنشورًا على الملأ ويمكن التثبت منه إلكترونيًا. كما أن مجرد انتقال الشخص مع عناصر الضابطة العدلية لا يعني حكمًا حصول توقيف بالمعنى القانوني الكامل الذي يستوجب إجراءات مختلفة.
ثالثًا، القول بإن الاستماع إلى المحامي أمام الضابطة العدلية يشكل مخالفة مطلقة للأصول القانونية هو تبسيط مخل للمسألة. فالضابطة العدلية تعمل بإشراف النيابة العامة وتمارس صلاحيات التحقيق الأولي وجمع المعلومات في طيف واسع من الجرائم. أما مسألة مدى وجوب حضور ممثل عن النقابة أو تنظيم المحضر بطريقة معينة فتخضع لطبيعة الجرم المنسوب وإلى ما إذا كان الفعل مرتبطًا مباشرة بالممارسة المهنية للمحاماة أم لا. وبالتالي فإن اعتبار أي استماع أولي أمام الضابطة العدلية باطلًا حكمًا يحتاج إلى سند قانوني أكثر صلابة مما ورد في المقال.
رابعًا، يتجاهل النص جوهر القضية المتمثل في خطورة الاتهام الموجه إلى أهالي بلدة لبنانية بكاملها. فالعمالة للعدو الإسرائيلي ليست وصفًا سياسيًا عاديًا أو رأيًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل هي جريمة خطيرة يعاقب عليها القانون اللبناني. وعندما يوجه هذا الاتهام إلى مجموعة من المواطنين من دون أحكام قضائية أو أدلة مثبتة، فإن النيابة العامة لا تملك فقط حق التحرك، بل قد يكون من واجبها التحرك حماية للسلم الأهلي ولحقوق الأفراد وسمعتهم ومنعًا لتحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات لإطلاق الاتهامات الجزائية الجماعية.
أما أكثر ما يضعف النص فهو الفقرة الأخيرة التي تنتقل من مناقشة قانونية مزعومة إلى توجيه إيحاءات سياسية وشخصية بحق رئيس الجمهورية وبحق مدعي عام التمييز. فطرح فرضية أن رئيس الجمهورية طلب التحرك أو أن القاضي بادر إلى "تبييض وجهه" مع الرئيس لا يستند إلى أي واقعة أو مستند أو معلومة موثقة، بل يدخل في إطار التكهن السياسي الذي لا قيمة قانونية له. والأخطر أنه يوجه اتهامًا ضمنيًا إلى قاضٍ رفيع بإساءة استعمال السلطة من دون تقديم أي دليل، وهو ما يتناقض مع أبسط قواعد النقد المهني المسؤول.
انطلاقًا من ذلك، يبدو أن قرار مدعي عام التمييز يمكن الدفاع عنه قانونيًا باعتباره تدبيرًا يندرج ضمن صلاحيات النيابة العامة في مواجهة منشور علني تضمّن اتهامات خطيرة بحق مواطنين لبنانيين. أما النقاش المشروع فيجب أن يتركز على تفاصيل الإجراءات ومدى مطابقتها للأصول، لا على محاولة تحويل القضية إلى مواجهة سياسية أو إلى اتهام للسلطة القضائية بالاستنسابية من دون أدلة. وفي دولة القانون، تبقى حماية سمعة الناس وكرامتهم ومنع التخوين الجماعي واجبًا لا يقل أهمية عن حماية حقوق المدعى عليهم وضماناتهم القانونية.