قبل أيام من مثول الشيخ خلدون عريمط أمام محكمة الجنايات في بيروت، تبرز مفارقة قضائية نادرة في الملف: رئيس الهيئة الاتهامية الذي شارك في دراسة القضية واطلع على كامل مستنداتها اعتبر أن الجناية المنسوبة إلى عريمط غير متوافرة قانوناً. ومع اقتراب موعد المحاكمة، لا يقتصر الجدل على الوقائع المنسوبة إلى المدعى عليهم، بل يمتد إلى جوهر الاتهام نفسه والأساس القانوني الذي بُني عليه القرار الاتهامي.
وفي وقت يستعد فيه رئيس محكمة الجنايات القاضي بلال ضناوي لاستجواب الشيخ خلدون عريمط ومصطفى الحسيان والشيخ خالد السبسبي في جلسة تمهيدية تسبق انطلاق المحاكمة، تتجه الأنظار إلى ما هو أبعد من الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، نحو الانقسام القضائي والقانوني الذي رافق الملف منذ لحظة صدور القرار الاتهامي.
فما يلفت الانتباه أن القضية لم تشهد اعتراضات من محامين أو مراقبين فحسب، بل إن رئيس الهيئة الاتهامية في بيروت القاضي كمال نصار نفسه سجّل مخالفة قانونية شاملة للقرار الصادر بالأكثرية عن المستشارين رولان الشرتوني وماري كريستين عيد، معتبراً أن العناصر القانونية للاتهامات الجنائية غير متوافرة أساساً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الملف.
فالرجل الذي ترأس الهيئة التي أصدرت القرار الاتهامي عاد ليقول بوضوح إن أفعال الشيخ خلدون عريمط، حتى إذا ثبتت الوقائع المنسوبة إليه، لا تشكل الجناية المنصوص عليها في المادة 288 من قانون العقوبات المتعلقة بتعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو تعكير علاقاته مع دولة أجنبية.
ولا تقتصر أهمية هذه المخالفة على كونها رأياً مخالفاً داخل الهيئة الاتهامية، بل تكمن في أنها صادرة عن رئيس الهيئة نفسه. فالمشهد القضائي هنا غير مألوف: قرار اتهامي يحيل المدعى عليهم أمام محكمة الجنايات، فيما يرى رئيس الهيئة التي أصدرته أن الركن الأساسي للجريمة غير متوافر.
ولم يكتفِ القاضي نصار بذلك، بل قدّم حيثيات قانونية مفصلة اعتبر فيها أن الملف يخلو من أي دليل يثبت أن العلاقات اللبنانية - السعودية تعرضت لأي ضرر فعلي أو حتى لأي احتمال جدي للضرر نتيجة الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليهم.
وفي قراءة دقيقة للمخالفة، يظهر أن رئيس الهيئة الاتهامية لم يناقش الوقائع من زاوية سياسية أو إعلامية، بل من زاوية قانونية بحتة، حيث أكد أن المملكة العربية السعودية لم تتخذ أي موقف عدائي تجاه لبنان، ولم تتقدم بأي شكوى ضد المدعى عليهم، ولم يصدر عنها أي إجراء يمكن اعتباره نتيجة مباشرة لما حصل.
بل على العكس، أشار نصار إلى أن المملكة واصلت انخراطها الطبيعي في الشأن اللبناني عبر الموفدين والاتصالات واللقاءات السياسية التي كانت قائمة أصلاً.
ومن هنا، خلص إلى نتيجة شديدة الأهمية مفادها أن عنصر الخطر الذي تتطلبه المادة 288 بقي مجرد افتراض نظري لا يستند إلى وقائع ملموسة أو مؤشرات جدية، ما يجعل الركن المادي للجريمة غير متوافر.
ولعل ما يمنح موقف القاضي نصار وزناً إضافياً أنه لم يصدر عن جهة سياسية أو إعلامية أو حتى دفاعية، بل عن قاضٍ يرأس الهيئة التي نظرت في الملف واطلعت على كامل مستنداته وأدلته.
وفي موازاة هذه المخالفة، جاءت دراسة القاضي إيهاب جواد بعاصيري لتضيف بعداً آخر إلى النقاش.
فبعاصيري، وهو قاضي تحقيق في البقاع، لم يتناول الملف من زاوية شخصية أو سياسية، بل انطلق من أسئلة قانونية تتعلق بجوهر العدالة الجزائية.
وقد خلص في دراسته إلى أن القضية تطرح إشكالية غير مسبوقة تتعلق بإمكانية التوسع في تفسير النصوص الجزائية المرتبطة بأمن الدولة والعلاقات الخارجية.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تلتقي في كثير من نقاطها مع جوهر المخالفة التي دوّنها القاضي نصار، ولا سيما لجهة التشديد على أن النصوص الجزائية يجب أن تُفسر بصورة ضيقة لا توسعية، وأنه لا يجوز إدخال أفعال جديدة ضمن نطاق التجريم من دون نص واضح وصريح.
وبالنسبة إلى الشيخ خلدون عريمط تحديداً، فإن ما يثير الاهتمام أن الاتهام الموجه إليه لا يستند إلى قيامه بأي اتصال رسمي باسم الدولة اللبنانية، ولا إلى امتلاكه أي صفة رسمية، ولا إلى ثبوت حصول أي ضرر دبلوماسي أو سياسي للبنان نتيجة ما نُسب إليه.
وهو ما دفع القاضي نصار إلى اعتبار أن الأفعال المنسوبة إليه، حتى لو كانت موضع انتقاد أو استهجان، لا ترتقي إلى مستوى الجناية التي أُحيل بسببها أمام محكمة الجنايات.
لذلك يرى متابعون للملف أن القضية تجاوزت شخص خلدون عريمط نفسه، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمبدأ أساسي في القضاء اللبناني، وهو أن الاتهام الجزائي يجب أن يبقى محكوماً بالنصوص القانونية الواضحة لا بالاستنتاجات أو الانطباعات أو التقديرات السياسية.
ومن هنا، فإن ما يواجهه الشيخ عريمط اليوم لا يتمثل فقط في الدفاع عن نفسه أمام المحكمة، بل في خوض معركة قانونية تتعلق بحدود التجريم ذاتها، وهي معركة باتت تجد صداها داخل أروقة القضاء اللبناني، بعدما خرج قضاة من قلب الملف ليعلنوا صراحة أن ما توصلت إليه الأكثرية ليس بالضرورة الرأي القانوني الوحيد الممكن.
وعليه، لن تكون جلسات محاكمة عريمط مجرد محطة للفصل في مسؤولية المدعى عليهم، بل قد تتحول إلى اختبار قضائي لمفهوم التجريم نفسه وحدود تطبيق المادة 288. فحين يشكك قضاة من داخل الملف بأركان الجناية، تصبح المحاكمة المقبلة أكثر من مجرد نزاع جزائي؛ إنها مواجهة قانونية حول تفسير النص وحدود السلطة العقابية للدولة.
ومع اقتراب موعد المحاكمة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستبقى محكمة الجنايات عند مقاربة الاتهام نفسها، أم أن جلسات المحاكمة ستفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السنوات الأخيرة؟
×