كتب الاستاذ علي رضا
تكشف سياسة تصدير الأزمات عجز النظام الإيراني عن مواجهة أزماته الداخلية إلا بإشعال التوترات خارج حدوده.
لم يكن الهجوم الذي استهدف مطار الكويت مجرد حادث أمني عابر أو تطور منفصل عن المشهد العام في المنطقة. فالحدث يأتي في سياق أوسع يكشف طبيعة السياسة التي انتهجها نظام ولاية الفقيه على مدى عقود، وهي سياسة تقوم على تصدير الأزمات إلى الخارج كلما ازدادت الضغوط في الداخل.
دروس صينية في صناعة الابتكار من المدرسة المنبع
ففي الوقت الذي تعيش فيه إيران واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ سنوات، تتراكم مؤشرات الأزمة في كل الاتجاهات. الاقتصاد يعاني من التضخم والركود وتراجع القدرة الشرائية، والصراعات داخل أجنحة السلطة أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فيما تتزايد مشاعر السخط الاجتماعي نتيجة سنوات من الفقر والبطالة والفساد وسوء الإدارة. وحتى الصحف ووسائل الإعلام التابعة للنظام باتت تتحدث بصورة متكررة عن الانقسامات الداخلية، وعن صعوبة التوصل إلى حلول حقيقية للأزمات المتراكمة.
في مثل هذه الظروف، يصبح التصعيد الخارجي بالنسبة إلى النظام وسيلة مألوفة للهروب إلى الأمام. فبدلاً من معالجة أسباب الأزمة، يجري البحث عن معارك جديدة يمكن استخدامها لتعبئة الداخل أو لتحسين شروط التفاوض مع الخارج. ومن هنا يمكن فهم خطورة الهجوم على الكويت، ليس فقط من زاوية نتائجه المباشرة، بل من زاوية الرسالة التي يحملها بشأن طبيعة السلوك السياسي للنظام الإيراني.
لقد أدركت دول الخليج العربية منذ سنوات أن المشكلة لا تكمن في خلافات سياسية عابرة، بل في مشروع قائم على التدخل في شؤون الدول الأخرى واستخدام الميليشيات والأذرع المسلحة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية. ولهذا جاءت الإدانات العربية الواسعة للهجوم على الكويت، وكذلك المواقف الداعمة لسيادة البحرين والكويت والدول الخليجية الأخرى، باعتبار أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار سياسة تصدير الأزمات.
واللافت أن هذا التصعيد يأتي في وقت تتواصل فيه المفاوضات المعقدة بين طهران وواشنطن. فمن جهة، يسعى النظام إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية عبر التفاوض، ومن جهة أخرى يستمر في استخدام أدوات التوتر الإقليمي باعتبارها أوراق ضغط إضافية. لكن هذه السياسة تكشف تناقضًا جوهريًا: فالنظام يريد الاستفادة من نتائج التهدئة من دون التخلي عن أدوات التصعيد.
غير أن التحولات الإقليمية والدولية جعلت هذه المعادلة أكثر صعوبة من السابق. فالدول العربية أصبحت أكثر وعيًا بمخاطر المشروع التوسعي الإيراني، كما أن المجتمع الدولي بات ينظر بقدر أكبر من الحذر إلى سياسات النظام في المنطقة. ولهذا فإن أي محاولة لاستخدام التوترات الأمنية كورقة تفاوضية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتزيد من عزلة طهران بدلاً من تعزيز موقعها.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه التطورات عن الأزمة الداخلية المتفاقمة في إيران. فالنظام الذي يواجه مجتمعًا يزداد غضبًا ورفضًا للأوضاع القائمة، ويحاول احتواء آثار التضخم والبطالة وتراجع مستوى المعيشة، يجد نفسه أمام معضلة متزايدة. فكلما ارتفعت الضغوط الداخلية، ازدادت الحاجة إلى خلق أزمات خارجية، وكلما توسعت هذه الأزمات، ازدادت كلفتها السياسية والاقتصادية على البلاد.
لقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن سياسة إشعال الحرائق خارج الحدود لم تنجح في حل أزمات الداخل الإيراني. بل على العكس، ساهمت في استنزاف الموارد الوطنية، وتعميق عزلة البلاد، وتوسيع الفجوة بين السلطة والمجتمع. واليوم، وبعد سنوات من التدخلات والصراعات، تبدو هذه السياسة أقل قدرة من أي وقت مضى على تحقيق أهدافها.
إن الهجوم على الكويت وما سبقه من تهديدات وتوترات إقليمية يعيد التأكيد على حقيقة أساسية: الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني ليست أزمة علاقات خارجية فقط، بل أزمة بنيوية في طبيعة الحكم نفسه. ولهذا فإن المشكلة لا تكمن في حدث أمني هنا أو مواجهة سياسية هناك، بل في استمرار نهج يرى في التوتر والحروب وسيلة للبقاء.
وفي المقابل، يتزايد الإدراك داخل إيران وخارجها بأن استقرار المنطقة وأمن شعوبها يرتبطان بإنهاء هذا النهج. فالحرب ليست حلاً، كما أن سياسة المساومة ومنح التنازلات لم تؤدِ خلال العقود الماضية إلى تغيير سلوك النظام. ويبقى الطريق الوحيد القادر على إغلاق دائرة الأزمات هو دعم حق الشعب الإيراني في التغيير الديمقراطي، وتمكين الإيرانيين أنفسهم من تقرير مستقبل بلادهم بعيدًا عن الاستبداد والتطرف والحروب.
فالأزمة الحقيقية لم تعد في الكويت أو لبنان أو مضيق هرمز، بل في نظام باتت أزماته الداخلية تدفعه باستمرار إلى إشعال الحرائق خارج حدوده، بينما تتزايد المؤشرات على أن قدرته على الهروب من استحقاقات الداخل تقترب من نهايتها.
×