عاجل:

خليل حلو لإيست نيوز: ذاهبون لتصعيد حتمي... وإسرائيل لا تثق بالمسيحيين ولا تريد إتفاقيات

  • ٥١
يقف لبنان اليوم على حافة تحولات جيواستراتيجية هي الأخطر في تاريخه الحديث. بين جبهة جنوبية مشتعلة، وتسويات دولية تُطبخ في كواليس واشنطن، ومؤسسات داخلية تتأرجح بين العجز ومحاولات فرض السيادة، يبدو المشهد معقدًا وعصيًا على القراءات التبسيطية.

وأمام هذه الضبابية السياسية والميدانية، وضعت "إيست نيوز" الملفات الساخنة على طاولة البحث مع العميد المتقاعد والخبير العسكري والاستراتيجي خليل حلو، الذي قاربها بكثير من الواقعية العسكرية والسياسية، بعيدًا عن الشعارات المستهلكة.

قواعد اشتباك هشّة.. ومرحلة انتقالية نحو التصعيد

في قراءته للواقع الميداني الحالي بعد التطورات الأخيرة في الجنوب، يرى العميد خليل حلو أننا "لسنا أمام استقرار، بل أمام تثبيت مؤقت لقواعد اشتباك فرضها الإسرائيلي بالنار"، موضحًا معادلة الردع الحالية "القاعدة اليوم واضحة؛ إذا استهدف حزب الله شمال إسرائيل، فإن الضاحية الجنوبية لبيروت ستكون في المرمى. هذا التوازن المؤقت جاء بعد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أقنع الحزب بوقف العمليات الهجومية، وبالمقابل عدم استهداف إسرائيل للضاحية".

لكن حلو يجزم بأن هذه المرحلة هي مجرد "محطة انتقالية قد تقود إلى مواجهة أوسع، والسبب يعود إلى تحول جذري في الوعي الإسرائيلي الذي لم يعد قادرًا على التعايش مع سلاح حزب الله كما فعل على مدى 44 عامًا. لقد أبرموا 5 اتفاقيات وتفاهمات مع الحزب وجميعها انهارت. لذا، الإسرائيليون اليوم لا يريدون المزيد من الاتفاقيات الهشة، بل بات هدفهم إنهاء الوجود المسلح لحزب الله".

ماذا تريد إسرائيل؟ وما حقيقة رغبتها في تغيير التوازنات؟

وحول الأهداف الإسرائيلية الحقيقية من الحرب الحالية، يميّز حلو بين التكتيكي والاستراتيجي. إذ يرى أن "الأمن الحدودي المباشر يتأمن تكتيكيًا بإبعاد حزب الله إلى مسافة 40 كيلومترًا شمال نهر الزهراني"، مستدركًا بأن هذا الإجراء "لا يحمي إسرائيل من الصواريخ المنحنية بعيدة المدى، والتي تعتمد تل أبيب على منظوماتها الدفاعية للتصدي لها. أما استراتيجيًا، فإن نزع السلاح هو الهدف البعيد لإسرائيل، التي ترغب في أن تقوم الدولة اللبنانية بهذه المهمة، علمًا أن حلو يذكّر بأن "نزع سلاح حزب الله هو مطلب لبناني سيادي يعود إلى 26 سنة للوراء أي منذ انسحاب إسرائيل عام 2000 قبل أن يكون مطلبًً إسرائيليًا".

وفي نقطة بالغة الأهمية، ينفي حلو أن تكون إسرائيل مهتمة بإعادة رسم التوازنات السياسية الداخلية في لبنان أو دعم أطراف بعينها "إسرائيل لا تثق بأحد، وتعتبر كل المكونات اللبنانية إما أعداءً أو أطرافًا لا يهمها التعاون معهم. والقراءات والمنشورات داخل إسرائيل تؤكد أنه لا توجد لديهم أي ثقة بالمسيحيين في لبنان، وهم غير مهتمين بالتواصل مع القوات اللبنانية أو الأطراف المسيحية التي تعاملت معهم سابقًا والدليل الساطع يتجلى في القرى المسيحية الحدودية في الجنوب اليوم؛ فالإسرائيلي لا يحاول حتى بناء علاقات ودية مع أهالي هذه القرى، على عكس ما كان يحدث في الاجتياحات السابقة"، مضيفًا "إسرائيل لا تثق إلا بقوتها".

الملف الدولي غائب.. والحل في واشنطن 
 وعند سؤالنا عن الطرح الدولي لنزع السلاح، يصدمنا العميد حلو بواقعية المشهد الدولي "لا يوجد شيء اسمه دوليًا اليوم سوى الأمم المتحدة، وهذه الأخيرة بات دورها متقلصًا ومهمشًا جدًا بسبب التغييرات العالمية، حتى أن قوات 'اليونيفيل' تستعد للمغادرة بعد أشهر قليلة. وكل ما يحصل اليوم يُطبخ في واشنطن حصرًا". ويتابع "مسألة نزع السلاح ليست مطروحة في أروقة الأمم المتحدة وليست من صلاحياتها، رغم أن تقاريرها تدين خروقات حزب الله وإسرائيل للقرار 1701 منذ عام 2006. الموضوع مطروح أميركيًا؛ وإذا تم التوصل لتسوية بين لبنان وإسرائيل، سيكون شرط تل أبيب أن تقوم الحكومة اللبنانية بنزع السلاح بدعم دولي وأميركي. لكن حتى الآن، التفاوض يراوح مكانه وسيكون طويل الأمد، لغياب أي تنازلات من حزب الله أو من إيران الداعمة له".

آلية حصر السلاح: سياسة "عزل المناطق"

وفي إجابته عن السؤال الأكثر تعقيدًا حول الآلية الواقعية لحصر السلاح بيد الدولة بعيدًا عن الشعارات، يوضح حلو لـ "إيست نيوز" أن العقدة ليست عسكرية بل سياسية أولًا "حزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح، بل هو منغمس في عمق الدولة اللبنانية. وطالما أن الحزب يرفض تسليم سلاحه، والدولة اللبنانية تجنح لعدم مواجهته عسكريًا، فإن الآلية السياسية الكبرى معطلة".

لكن حلو يطرح "خطة ب" واقعية ومباشرة يمكن للسلطة التنفيذية تطبيقها فورًا "يمكن للحكومة ورئيس الجمهورية فرض سيادة الدولة في المناطق غير المؤيدة لحزب الله. لا أعني هنا منع النازحين من اللجوء إليها، فهم لبنانيون ولهم كامل الحق، بل أعني منع أي نشاط عسكري أو أمني لحزب الله في هذه المناطق؛ كإغلاق البيوت المستأجرة من قبله، ومنع عبوره المسلح المموه. باختصار يجب إغلاق هذه المناطق بوجه نشاط الحزب لتبسط الدولة سلطتها فيها، فيما تبقى المناطق الخاضعة لسيطرته خارج نطاق السيادة مؤقتًا".

العهد الحالي: غطاء يهتز ومفاوضات "مبتورة"
ينتقد العميد حلو أداء العهد الحالي في إدارة هذا الملف الحيوي، معتبرًا أنه أضاع فرصة ذهبية "العهد الحالي كان يحظى بتأييد شعبي عابر للطوائف، مسيحي، سني، درزي، وشيعي معارض، لكنه لم يستثمر هذا الزخم لبناء مصداقية دولية. وعندما طرح رئيس الجمهورية مسألة المفاوضات، نال غطاءً واسعًا، لكن هذا الغطاء بدأ يهتز ويتراجع اليوم، لأن العهد أثبت افتقاره لأي خطة ذات مصداقية لنزع السلاح".

أما على الصعيد الحكومي، فيرى حلو مفارقة غريبة في توزيع الأدوار داخل المفاوضات الجارية في واشنطن "لدينا وزراء جديرون بالثقة والتقدير، لكننا نرى تهميشًا غير طبيعي لوزير الخارجية في المفاوضات الجارية في واشنطن، وهو أمر لم نشهده في أي عهد سابق حيث كان وزير الخارجية لاعبًا أساسيًا.

والسبب أن رئيس الجمهورية لا يريد وزيًرا قريبًا من القوات اللبنانية أو يحمل توجهًا سياديًا صارمًا في هذه المفاوضات، منعًا لإحراج حزب الله الذي لا يرتاح لهذا الوزير.

هذه التوليفة بحد ذاتها تشكل نقطة ضعف أساسية، رغم ثقتنا الكبيرة بالسفير سيمون كرم وبالوفد العسكري المفاوض".

السياسة الأميركية: الاستقرار أولًا والتنازلات اللبنانية

وعن حقيقة الخلفيات الكامنة وراء الضغوط الأميركية، يوضح حلو أن الهدف الأساسي لواشنطن هو "حماية الاستقرار ومنع الفوضى، وليس فرض وقائع سياسية جديدة أو تغيير الأنظمة فأميركا تخشى الفوضى في لبنان لأنها تنعكس مباشرة على سوريا. واليوم، تراهن واشنطن على نظام الرئيس أحمد الشرع في سوريا لإرساء استقرارها، كونه المدخل الأساسي لاستقرار الشرق الأوسط بكامله".

ويذكّر حلو ببراغماتية السياسة الأميركية بالقول "الولايات المتحدة لا يهمها تغيير الأنظمة؛ فهم يتواصلون مع النظام الإيراني، والرئيس ترامب سابقًا عرض لقاء المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وترامب نفسه يتعامل مع فنزويلا الشيوعية وزار كيم جونغ أون في كوريا الشمالية".

أما عن التنازلات المطلوبة من لبنان، فيأتي جواب حلو صادمًا ومؤلمًا بلغة الواقع "عن أي تنازلات نتحدث؟ لبنان تنازل عن كل شيء تقريبًا بالقوة الفرضية؛ إسرائيل تحتل الجنوب، وحزب الله يفتعل ما يريد ويفعل ما يشاء في الداخل.

ماذا يمكن أن يقدم لبنان أكثر؟ لم يبقَ سوى أن يُغلقوا الوزارات ويُسلموا البلد رسميًا للحزب. لم يعد هناك خطوط حمراء لم تُنتهك".

الأشهر الستة المقبلة: سيناريو التصعيد الحتمي

يختم العميد المتقاعد خليل حلو حواره مع "إيست نيوز" بنظرة استشرافية قاتمة لكنها مبنية على معطيات الميدان، مؤكدًا أنه لا يرى في الأفق أي بوادر لمبادرات دولية سرية أو طروحات غير معلنة تتعلق بالجنوب أو السلاح، قاطعًا الشك باليقين بالسيناريو المقبل "نحن ذاهبون نحو التصعيد الحتمي. وأي حديث عن تجميد للأزمة في الوقت الراهن سيكون تجميدًا هشًا، ولن يصمد أمام إصرار الأطراف على حسم خياراتها بالنار".
المنشورات ذات الصلة