عاجل:

الشابندر .. الرجل الذي بقي مؤثراً بلا سلطة

  • ٤٧

في العراق، تُقاس قيمة السياسي غالبًا بعدد المقاعد التي يملكها، أو حجم الكتلة التي يقودها، أو المنصب الذي يتربع عليه. لكن بعض الشخصيات كسرت هكذا قاعدة. شخصيات لا تمتلك حزبًا جماهيريًا، ولا تتصدر نتائج الانتخابات، ولا تحيط بها مواكب السلطة، ومع ذلك بقيت حاضرة كلما تعقدت الأزمات وتشابكت الخيوط.

ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم عزّت الشابندر، الرجل الذي بقي مؤثرًا بلا سلطة.

الرجل الذي عرفته المعارضة العراقية في سنواتها الصعبة، وعرفته العملية السياسية لاحقًا نائبًا لدورة برلمانية واحدة، ومع انه لم يرأس حكومة، ولم يقُد حزبًا جماهيريًا قادرًا على فرض إرادته عبر صناديق الاقتراع، ظل حاضرًا في المشهد العراقي منذ ولادة النظام السياسي الجديد، سواء اتفق معه الناس أم اختلفوا حوله .

فكيف استطاع الشابندر أن يبقى بينما غاب كثيرون كانوا أكثر نفوذًا وأقوى تنظيمًا وأكثر اقترابًا من السلطة؟

ربما تكمن الإجابة في أن الرجل لم يراهن يومًا على السلطة بقدر ما راهن على (التأثير). فالشابندر لا ينتمي إلى مدرسة السياسي الجماهيري الذي يخاطب الشارع، بل إلى مدرسة السياسي الذي يتحرك داخل دهاليز السياسة، ويجيد بناء الجسور بين الخصوم، ويفضل التفاهمات على الصدامات، والحوار على القطيعة.

هذه السمة جعلته حاضرًا في كثير من الملفات المعقدة، ودفعت البعض إلى وصفه بـ"رجل الظل"، فيما رأى فيه آخرون وسيطًا قادرًا على فتح الأبواب المغلقة عندما تعجز القوى السياسية عن إيجاد لغة مشتركة بينها.

ولعل أكثر ما يميز الشابندر هو صعوبة تصنيفه داخل خندق سياسي واحد، إذ وعلى الرغم من خلفيته الإسلامية وانتمائه السابق إلى حزب الدعوة، لم يتردد في انتقاد الحزب الذي خرج منه، بل كان في أحيان كثيرة أكثر قسوة على رفاق الأمس من خصومهم السياسيين. وقد حمّل الأحزاب الإسلامية، بما فيها حزب الدعوة، جزءًا مهمًا من مسؤولية الأزمات التي عاشها العراق بعد عام 2003، منتقدًا أداءها وخطابها وطريقة إدارتها للدولة.

وفي الوقت نفسه، لم يُعرف عنه تبني خطاب عدائي تجاه المكوّنات الأخرى أو الانخراط في المزايدات الطائفية التي اجتاحت المشهد العراقي خلال سنوات طويلة.  

ولهذا السبب تحديدًا احتفظ بعلاقات واسعة داخل الأوساط السنية والكردية كما داخل الأوساط الشيعية، واستطاع أن يفتح خطوط تواصل مع شخصيات سياسية متناقضة في الرؤى والمصالح.

ومن هنا يمكن فهم انتقاداته المتكررة لشخصيات سياسية من مختلف المكونات، ومنها انتقاداته لرئيس تحالف تقدم محمد الحلبوسي، وهي انتقادات لم تأتِ من موقع الخصومة الطائفية أو التنافس المذهبي، بل من موقع الخلاف السياسي، وهو ما يعزز الصورة التي يحاول الشابندر ترسيخها عن نفسه بوصفه سياسيًا عابرًا للاصطفافات التقليدية.

أما في علاقته بإيران، فقد ظل الرجل عرضة لتفسيرات متناقضة. فخصومه يرونه قريبًا من طهران بحكم علاقاته القديمة وشبكة اتصالاته الواسعة، فيما يرى مؤيدوه أنه يتعامل مع إيران باعتبارها دولة مؤثرة في الإقليم لا يمكن تجاهلها، من دون أن يعني ذلك التسليم بكل سياساتها أو القبول بكل أدوارها.

والحقيقة أن مراجعة خطاب الشابندر تكشف أنه لم يتردد في توجيه النقد لإيران عندما رأى أن بعض مواقفها تمثل تدخلًا في الشؤون العراقية أو العربية، كما لم يتردد في انتقاد الولايات المتحدة وسياساتها في المنطقة، رافضًا تحويل العراق إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية.

أمَا في ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، بدا موقفه أقرب إلى منطقة الوسط. فهو لا ينكر الدور الذي لعبه الحشد في مواجهة تنظيم داعش، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن بناء الدولة لا يكتمل بوجود مراكز قوة متعددة خارج إطار المؤسسات الرسمية، ولذلك يدعو باستمرار إلى معالجات عراقية داخلية تحفظ هيبة الدولة وتمنع الانزلاق إلى الفوضى أو الصدام.

وربما كانت هذه النزعة التوفيقية هي سر بقائه في المشهد السياسي حتى اليوم.

ففي زمن الاستقطاب الحاد، يصبح السياسي الذي يستطيع الحديث مع الجميع حالة نادرة، غير أن هذه الميزة نفسها تحولت إلى واحدة من أبرز نقاط الضعف في مسيرته.

فكثيرون يرون أن قربه من أطراف متناقضة يخلق حالة من الغموض حول مواقفه الحقيقية، وأن لعب دور الوسيط الدائم قد يجعل السياسي عرضة للشكوك وسوء الفهم من جميع الأطراف في آن واحد.

كما أن حضوره الإعلامي الكبير لم يتبلور إلى شكل مشروع سياسي جماهيري واسع، وهو ما يفسر محدودية حضوره الانتخابي مقارنة بحجم حضوره في وسائل الإعلام والمنتديات السياسية.

ومع ذلك، يبقى من الصعب تجاهل حقيقة أساسية... فعلى امتداد أكثر من عشرين عامًا من عمر النظام السياسي الجديد، تعاقب رؤساء حكومات، وصعدت أحزاب، وتراجعت أخرى، واختفت أسماء كانت تملأ الشاشات والمنابر، بينما بقي عزّت الشابندر حاضرًا في النقاش السياسي العراقي، سواء اتفق معه الناس أم اختلفوا حوله.

وبخلاصة مقتضبة ، يكون الوصف الأكثر دقة له أنه ليس رجل سلطة، ولا زعيم جماهير، ولا قائد حزب كبير. إنه ببساطة رجل تأثير سياسي اختار أن يبقى قريبًا من مراكز القرار من دون أن يجلس على كرسي السلطة . 

ولهذا، عند تدوين التاريخ السياسي للعراق بعد عام 2003، قد لا يُصنَّف عزّت الشابندر في زمرة الأكثر استحواذًا على السلطة، بيد أنه سيظلُّ حتمًا واحدًا من أكثرهم نفوذًا وأعمقهم أثرًا 

إنه الشابندر..

المنشورات ذات الصلة