عاجل:

فساد وزبائنية سياسية...الأزمة السياسية عائق أمام التنمية المستدامة

  • ٤٥

لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية الراهنة من خلال المؤشرات الاقتصادية والمالية فقط، بل يجب النظر إلى البنية السياسية والإدارية التي حكمت البلاد لعقود طويلة وأسهمت في إنتاج نموذج من الفساد والزبائنية السياسية، والذي بات جزءًا من آلية عمل الدولة نفسها. 

لبنان، القائم على نظام سياسي توافقي يعتمد المحاصصة الطائفية، شهد تدريجيًا انتقال هذا النظام من أداة لتنظيم التوازنات السياسية إلى إطار يكرّس توزيع المناصب والموارد العامة وفق الانتماءات الطائفية والسياسية أكثر مما يعتمد معايير الكفاءة والجدارة.


أما مؤسسات الدولة فقد أصبحت عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث. ومع انهيار العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الخدمات العامة، برز الفساد كأحد العوامل الأساسية التي ساهمت في استنزاف موارد الدولة وإضعاف قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.


إنه الفساد... وهو سوء استخدام السلطة أو الوظيفة العامة لتحقيق منافع خاصة غير مشروعة، سواء عبر الرشوة أو المحسوبية أو استغلال النفوذ أو تبديد المال العام. تحولت الخدمات العامة والوظائف والمنافع في لبنان، إلى أدوات تستخدمها القوى السياسية لاستقطاب المؤيدين والحفاظ على النفوذ. وبدلاً من أن يحصل المواطن على حقوقه بصفته مواطنًا، يصبح مضطرًا للجوء إلى الزعيم السياسي أو المرجعية الطائفية للحصول على وظيفة أو خدمة أو معاملة إدارية.


وتتجلى هذه الممارسات بشكل واضح داخل مؤسسات الدولة، حيث تؤثر التدخلات السياسية في التعيينات والترقيات والتوظيف، ما يؤدي إلى تراجع الكفاءة الإدارية وتضخم القطاع العام واستنزاف المالية العامة. كما أن استخدام الوظائف العامة كوسيلة للمكافأة السياسية يساهم في إضعاف الإنتاجية وتراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ومع الوقت، تتحول المؤسسات إلى ساحات نفوذ سياسي بدلاً من أن تكون مؤسسات حيادية تعمل لخدمة الصالح العام.


وقد ساهمت هذه المنظومة في إضعاف الدولة اللبنانية وتآكل مؤسساتها الرقابية والقضائية، خصوصًا في ظل غياب المساءلة الفعلية واستمرار التدخلات السياسية في عمل القضاء. ونتيجة لذلك، ترسخت ثقافة الإفلات من العقاب وتراجعت ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ما دفع شريحة واسعة منهم إلى الاعتماد على شبكات العلاقات الشخصية والطائفية للحصول على حقوق يفترض أن تضمنها الدولة لجميع المواطنين بصورة متساوية.


وقد أسهم النظام الطائفي في تكريس المحاصصة وتقاسم النفوذ داخل الدولة، فيما أدى ضعف الإرادة السياسية إلى تعطيل العديد من الإصلاحات الضرورية. ومن جهة أخرى، ساهمت الأزمة الاقتصادية وتراجع فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر في تعزيز الاعتماد على الواسطة والمحسوبية كوسيلة للوصول إلى الوظائف والخدمات. كما لعبت العوامل الاجتماعية دورًا مهمًا في تطبيع بعض الممارسات المرتبطة بالفساد، بحيث أصبحت الواسطة بالنسبة إلى كثيرين وسيلة اعتيادية لتسيير شؤونهم اليومية.


أما على مستوى التنمية المستدامة، فإن تأثير الفساد يتجاوز البعد الإداري ليصبح عائقًا بنيويًا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فهدر الموارد العامة وتوجيهها نحو شبكات المحسوبيات السياسية بدلاً من المشاريع التنموية ينعكس مباشرة على نوعية الخدمات العامة والبنية التحتية. كما يؤدي ضعف الحوكمة إلى تراجع الاستثمار وخلق بيئة طاردة لرؤوس الأموال، الأمر الذي يحد من فرص النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.


وانعكست هذه الممارسات أيضًا على مؤشرات التنمية البشرية، حيث تراجعت جودة التعليم والرعاية الصحية، وازدادت معدلات الهجرة بين الشباب وأصحاب الكفاءات نتيجة غياب تكافؤ الفرص. كذلك ساهم الفساد في تعميق الفقر متعدد الأبعاد من خلال حرمان فئات واسعة من الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية والموارد العامة. وعلى مستوى أهداف التنمية المستدامة، يشكل الفساد عقبة مباشرة أمام بناء مؤسسات فعالة وشفافة وقادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بصورة عادلة ومستدامة.


وتشير طبيعة الأزمة اللبنانية إلى أن المشكلة ليست تقنية أو إدارية فحسب، بل هي أزمة بنيوية متجذرة في العلاقة بين النظام الطائفي والاقتصاد الريعي وشبكات الزبائنية السياسية. فهذه العناصر تشكل حلقة متكاملة تعيد إنتاج نفسها باستمرار، ما يجعل أي إصلاحات جزئية أو مؤقتة غير كافية لمعالجة جذور المشكلة.


وإلى جانب الفقر واللطالة... أسفرت هذه المنظومة عن نتائج خطيرة تمثلت في تراجع الثقة بالدولة، واستمرار هجرة الكفاءات، وتدهور الخدمات العامة، واتساع الفجوة الاجتماعية بين المواطنين. كما ساهمت في إضعاف مفهوم المواطنة وتعزيز الولاءات الطائفية والسياسية على حساب الانتماء للدولة ومؤسساتها.


في المحصلة، لا يُعدّ الفساد والزبائنية السياسية في لبنان مجرد خلل إداري أو انحراف فردي، بل يشكّلان أزمة بنيوية تعيق بناء الدولة وتحقيق التنمية المستدامة. ومن هنا، فإن مكافحة هذه الظاهرة لا تمثل خيارًا إصلاحيًا فحسب، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المواطنين، وتعزيز فعالية المؤسسات، ووضع لبنان على مسار تنموي أكثر استدامة وعدالة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

المنشورات ذات الصلة