عاجل:

تطويب الحويك: الفاتيكان ينتصر للبنان الكبير

  • ٣٥

كتب نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي

لا مصادفة في قاموس الفاتيكان، ولا إرتجال أو إنفعال في مواقفه. كما أنه لا يتأثر بضغط، ولا تجنح به عاطفة إلى سلوك سبيل لا يريدها. وهذا أمر يعرفه من يراقب أداء الكرسي الرسولي في الاستحقاقات الكبرى، خصوصا في ازمنة الحروب والنزاعات، والصراعات الفكرية وإرهاصاتها ألاخلاقية على إمتداد الكرة الأرضية. ولذلك ، فان ثوابته الروحية القائمة على الاهتمام بالانسان" كل انسان، وكل الانسان" على ما يقول السعيد الذكر البابا بولس السادس، هي البوصلة التي تقود خطاه. جاء توقيع البابا لاوون الرابع عشر مرسوم إعلان البطريرك الثاني والسبعين على الموارنة مار إلياس بطرس الحويك طوباويا، ليؤكد أن لا أمر تقدم عليه حاضرة الفاتيكان غير ذي معنى. فالطوباوي الذي رحل العام 1931 هو عراب لبنان الكبير ، بل " قابلته" الوطنية التي " شالته" من رحم السياسات الدولية الكبرى التي نشأت بعيد انهيار الإمبراطورية العثمانية، والساعي إلى إعلان دولته في الأول من أيلول 1920.

وفي كل مرة يواجه فيها لبنان محنة كبيرة كانت أو صغيرة، تتخذ في بعض وجوهها ومناحيها بعدا طائفيا أو مذهبيا، كانت الانتقادات تنهال على البطريرك الحويك لسيره في خيار لبنان الكبير والواحد ورفضه الابقاء على حدود المتصرفية، وراجت في صالونات بعض كبار السياسيين المسيحيين توصيفات سلبية عن دور هذا البطريرك ليس أقلها انه " إرتكب خطيئة مميتة بحسم خيار لبنان الكبير" وإعتبار أن ضم الاقضية الأربعة إلى حدود المتصرفية المثبتة بموجب بروتوكول 1864، ليس انجازا تاريخيا يسجل له، لأن عوائد هذا الأمر لم تحمل اي فائدة للمسيحيين.

وبرزت في آلاونة الأخيرة نخب مسيحية تجاهر بالتقسيم علنا أو الفدرالية، تعتقد أن صيغة الحويك تخطاها الزمن، ويجب أن تكون هناك صيغة بديلة. هذه الاصوات وجدت بعض آلاذان الصاغية في بعض الاوساط التي وجدت نفسها منساقة إلى هذا التوجه تحت ضغط الحروب والاحداث. لكن خطوة البابا لاوون الرابع عشر بإعلان طوباوية الحويك، كانت حاسمة لجهة منح " صك براءة" لخيار لبنان الكبير ، لبنان الواحد، لبنان العيش المشترك. وهي تبطن رسالة ضمنية لكل العابثين بثوابت بكركي التي لم تخرج دوما عن مشروع البطريرك الثاني والسبعين، بأن الكنيسة المارونية الانطاكية ومعها سائر الكنائس المسيحية الشرقية الارثوذكسية منها والكاثوليكية والانجيلية هي مع لبنان الواحد، لبنان ال 10452كلم ، لبنان الرسالة، لبنان الحوار المسكوني، وليس لبنان " المعازل".

وهذا يعني أن ما يروج له من مشروعات خارج مشروع الحويك، ليست إلا قنابل صوتية تزول مفاعيلها فور انفجارها، وانحسار دويها من آلاذان التي تتلقفها. البطريرك إلياس الحويك كان بطلا في تصديه للمجاعة التي ضربت جبل لبنان في الحرب الكونية الاولى، وترأس خلية أزمة كان من اركانها الخوري بولس عقل ( المطران في ما بعد)، وانطوان إده، بشاره البواري، ابراهيم ويوسف إلياس كرم، ومجموعة من " الفدائيين" الذين تولوا نقل المال من جزيرة أرواد إلى بكركي لشراء الطحين والادوية، مما أسهم في إنقاذ نصف سكان الجبل بعدما قضى النصف آلاخر جوعا. وهو واجه جمال باشا الذي كان يعتزم نفيه من البلاد، واجتمع إليه ثلاث مرات، وكادت الثالثة أن تكون ثابتة لجهة إنفاذ النفي، لولا تسارع الاحداث المؤذنة بانتهاء الحرب على غير ما تشتهي الامبراطورية. وهذا البطريرك الورع، كان يجد في الصلاة ملاذا، وسبيلا إلى تعميق روح الشجاعة لدى الجماعة، ويتحرق ألما وحزنا على حال شعبه الذي شارف على الهلاك، فتبنى قصيدة- صلاة للخوري يوحنا رعد الغزيري المعروف بال" عاصي"، بعنوان " إليك الورد يا مريم" ولعل أبلغ ما جاء فيها تعبيرا عن الحال الكارثية فترتذاك:" حروب تملأ الارض/ وضيق عنه لا نرضى/ غدونا كلنا مرضى / وليس فينا سواك من يداوينا/ على الأبواب أطفال لهم في العمر آمال/ يذوب القلب إن قالوا/ جودوا علينا، فان الجوع يضنينا." وقد اوعز بترتيلها في الكنائس والمناسبات الدينية، ولا سيّما في الشهر المريمي. وهناك صلاة وضعها هو شخصيا تعبر عن عظيم الألم الذي يعصف بالناس في تلك المرحلة:" إرحم يا رب، إرحم شعبك، ولا تسخط علينا إلى الابد." إن هذا الواقع المغرق في مأساويته كان وراء تفكير الحويك في صيغة تقي لبنان غائلة الجوع مستقبلا، وتحفظ أبناءه من خلال نظام سياسي فريد ومتقدم يقوم على وطن تعددي تتعايش فيه الاديان والطوائف، ويشكل منصة لحوار دائم يقرب بين المسيحية والاسلام، ويجعل من تلاقي هاتين الديانتين وتفاعلهما نموذجا يقتدى في العالم. لكن هذه الصيغة تعرضت لهزات بفعل السياسات الدولية، ونشؤ دولة إسرائيل العنصرية التي تتناقض جذريا مع الوجه التعددي للبنان،وما تسبب ذلك من تداعيات سلبية على وطن الارز وافدة من الخارج، إضافة-وهذا الاهم- الى فشل الطبقة السياسية التي توالت على حكمه في إرساء دولة الحق والقانون،وتوطيد ركائز الدولة المدنية التي نص عليها الدستور اللبناني.

ولا شك انه كان للموارنة الدور الأكبر في حكم لبنان منذ العام 1943 وما قبل وحتى العام 1990، وما زالوا ماثلين بقوة في المعادلة السياسية رغم ما حل بهم من وهن اكثر أسبابه تعود إلى صراعاتهم الداخلية التي انتجت تدميرا ذاتيا للكثير من قدراتهم. وفي الخلاصة أن الفاتيكان بإعلان تطويب الحويك، في هذا التوقيت بالذات، وبعد الزيارة التاريخية التي قام بها البابا لاوون الرابع عشر الى لبنان، وهي الأولى خارج الحاضرة بعد انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية من 30 تشرين الثاني إلى 2 كانون الأول 2025،وإهتمامه الكبير بمأساة لبنان جراء الاعتداء الاسرائيلي عليه، ومبادرته إلى التواصل المباشر مع القرى المسيحية في منطقة الشريط الحدودي، وتوجه السفير البابوي إلى هناك للمؤازرة المعنوية وتقديم المساعدات، إنما ينتصر للبنان الحويك، وللانتشار المسيحي على إمتداد الجغرافيا اللبنانية، ويدحض اي فكرة تقسيمية تحت أي مسمى، ملتقيا مع العنوان الكبير الذي راج أبان الحرب في مواجهة أصحاب الفكر " التجزيئي": " لبنان اكبر من أن يبتلع، وأصغر من أن يقسم."

المنشورات ذات الصلة