عاجل:

الإستنتاج... فنّ رؤية ما لا يقال

  • ٢٨

بقلم الكاتب الصحفي والمحلل الاستراتيجي حيدر صبي

ثمة كلماتٌ ومصطلحات لا تُولد في المعاجم، لكنها تظهر في احتكاك الإنسان بالخطر، الأسئلة وبالقلق الذي يسبق العواصف.

ومن بين تلك الكلمات تقف مفردة "الاستنتاج" بوصفها واحدة من أكثر الأدوات التي استخدمها الإنسان منذ أن رفع رأسه نحو السماء محاولًا فهم البرق قبل سقوطه وكينونة الوجود لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، والاستنتاج لايمكن وصفه بالعملية العقلية الباردة، فهو محاولة الإنسان الدائمة لربط النقاط المبعثرة في الكون، وتحويل الفوضى الى معنى، والغموض الى احتمال، والأثر الى سبب.

ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيرًا من الفلاسفة تعاملوا مع "الاستنتاج" بوصفه قلبَ التفكير نفسه، حتى لو استخدموا تسميات مختلفة مثل: (الاستدلال، الاستنباط، التأويل، قراءة الظواهر، أو الانتقال من الأثر الى السبب).

ما يسميه المحللون اليوم "قراءة المشهد" ليس في جوهره سوى فنّ بناء الاستنتاج من المعطيات الناقصة.

فالإنسان لا يمتلك الحقيقة كاملة في أغلب الأحيان، بل يمتلك شذراتٍ منها فقط، تتماثل كصورةً غير مكتملة، خبرًا ناقصًا، حركةً مريبة، صمتًا طويلًا، أو دخانًا يتصاعد من بعيد. ومن هنا يبدأ العقل بصناعة "الاستنتاج"، لأن الدخان كما قيل ليس نارًا، لكنه شهادة النار على نفسها.

لقد أدرك (ارسطو طاليس - Aristotle) مبكرًا أن العقل البشري لا يتحرك عشوائيًا، اذ هو ينتقل من المقدمات إلى النتائج عبر القياس المنطقي، وكأن النتيجة ليست إلا ظلّ المقدمتين.  

ثم جاء رينيه ديكارت - Rene) Descartes) ليحوّل الاستنتاج الى يقين فلسفي حين قال: "أنا أفكر إذن أنا موجود". فقد استنتج وجوده من فعل الشك ذاته. أما (ديڤيد هيومان - David Hume) فقد تعامل بحذر مع هذه العملية، ورأى أن البشر يربطون بين الأشياء لأنهم اعتادوا تكرارها، لا لأن العلاقة مؤكدة بالضرورة، وكأنه يذكّرنا بأن بعض استنتاجاتنا ليست حقائق، قدر فهمها كعادات عقلية متنكرة بزيّ المنطق.

عند السياسة، يصبح "الاستنتاج" أكثر خطورة وتعقيدًا، فالمحلل السياسي لا يرى النوايا، لكنه يرى آثارها، وهو لا يسمع القرار إنما يسمع الصدى الذي يسبقه. ولذلك فإن "قراءة المشهد" لاتعد امتلاكًا للحقيقة، لانها عبارة عن محاولة لبناء أكثر الاحتمالات تماسكًا من خلال معطيات ناقصة ومتناقضة أحيانًا. لذا كان (فريدريك نيتشه - Friedrich Nietzsche) يقول: "لا توجد حقائق، بل تأويلات "فكل إنسان يقرأ العالم من نافذة خوفه أو رغبته أو مصالحه. فالخائف يرى مؤامرة في كل حركة، والطامع يرى فرصة في كل انهيار، والعاشق يرى إشارة في كل التفاتة. وهنا يتحول الاستنتاج من أداة للفهم الى مرآة تكشف طبيعة صاحبها.

في عالم السياسة الحديثة، كثيرًا ما تتحول "الإشارة" الى رسالة كاملة لا تحتاج إلى شرح. فالتغريدة، التصريح المقتضب، الصمت المفاجئ، حركة السفراء، وحتى طريقة الجلوس في المؤتمرات، كلها أدوات تبعث رسائل غير مباشرة للآخر. وهنا على السياسي الذكي أن يستنتج ما وراء الكلام ويستنطق مغزاه. ومصداق ذلك ما جرى على القوى السياسية في العراق، حين وصلت إليها إشارات التصعيد الأميركي من خلال تصريحات (دونالد ترمب - Donald Trump) تجاه شخصيات نافذة، لتتعامل معها بجدية وحذر لأنها قرأتها باعتبارها رسالة ضغط، أو عقوبات قادمة أو إعادة تشكيل للتحالفات، حال تجاهلها لتلك الإشارة، بمعنى أن القوى الشيعية لم تقرأها كضجيج اعلامي فحسب. وبدأ من هنا "الاستنتاج السياسي" في تفسير القوة الكامنة خلف النص. فالدول العظمى نادرًا ما تتكلم عبثًا، والسياسي الذي لا يحسن قراءة الإشارات قد يستيقظ متأخرًا بعد أن تكون الخريطة قد تغيّرت فوق رأسه.

إن "الاستنتاج" هنا قد تحوّل الى أداة بقاء، فالقادة والملوك لا يحمون عروشهم بالسلاح فقط لكن باستطاعتهم حمايتها ايضًا بما لديهم من قدرات على قراءة ما قبل العاصفة. ولهذا استطاع (ونستن تشرشل - Winston Churchill) أن يدرك مبكرًا خطر (ادولڤ هتلر - Adolf Hitler ) حين كان كثيرون يظنون أن المانيا تريد السلام. لقد استنتج الحرب من نبرة الخطاب، من تسارع التسلح ومن اللغة المتعالية التي سبقت الانفجار.

كما أن (صلاح الدين الايوبي - Saladin) لم يكن مجرد قائد عسكري فحسب، انما كان قارئًا بارعًا في التحليل النفسي والسياسي لدى خصومه. فقد فهم من تنازع الإمارات الصليبية أن لحظة الحسم اقتربت، فجاءت حرب (حطين) نتيجة استنتاج طويل لا وليد صدفة.

هناك بعض من الملوك لايتحلّون بملكة "الاستنتاج" لهذا قرّب البعض منهم عددًا من المستشارين مهمتهم الوحيدة قراءة الإشارات، لأن الدولة التي تفشل في الاستنتاج، غالبًا ما تفشل في النجاة "سقوط دولة الخلافة العباسية ومقتل الخليفة المستعصم بالله 256 هج ". 

"الاستنتاج" لا يخص السياسة وحدها، هو منظومة يتعامل بها المجتمع بأكمله. فالناس يوميًا يستنتجون أخلاق بعضهم بعضًا من السلوك لا من الشعارات، فالذي يرفع صوته على الضعيف ويخفضه أمام القوي، يُستنتج منه الجبن ولو ادّعى الشجاعة. والذي يحسن معاملة النادل أو الفقير أو العامل البسيط، يكشف معدنًا أخلاقيًا لا تستطيع الخطب تزييفه.

ولذلك نشأت الأمثال الشعبية بوصفها "استنتاجات جماعية" راكمها المجتمع عبر الزمن. فحين يقول الناس "الإناء ينضح بما فيه". هم لا يقدّمون حكمة لغوية فقط، إنهم يقررون أن الداخل الحقيقي للإنسان يظهر حتى عبر جزئيات حياته التي تماثلت كتصرف معتاد لديه. أيضًا حين يُقال "من فمه أُدينه"، فالمقصود أن الإنسان يفضح نفسه بنفسه، لأن التناقضات تتسرب من لسانه مهما أتقن التمثيل وهذا استنتاج بحد ذاته.

والاستنتاج المجتمعي نجده غير هذا عبارة عن آلية دفاع أخلاقية. فالأم تراقب طريقة حديث الخاطب فتستنتج طباعه، والتاجر يقرأ طريقة المساومة ليستنتج صدق الزبون أو احتياله، وحتى الأطفال يكتشفون سريعًا من يحبهم فعلًا ومن يتصنع ذلك الحب.

على ان "الإستنتاج" قد يتحوّل الى فخّ للكاذبين، فالكاذب قد ينجح في اختراع رواية، لكنه يفشل غالبًا في حماية تفاصيلها. ولذلك فإن الأسئلة الدقيقة والمحرجة ليست مجرد استفهام، بل أدوات تفكيك. فمثلًا حين يُسأل بعض المحللين السياسيين المرتبطين بأجندات أو دول معيّنة عن تناقضاتهم، يبدأ الارتباك بالتسلل إلى خطابهم، فتتغير النبرة، تتضارب التفاصيل، ويتحول اليقين المتغطرس الى دفاع مرتبك. وهنا تظهر قوة الاستنتاج الحقيقي عبر كشف الفجوات بين الكلام والواقع. ولذلك فإن أخطر ما يواجه المزوّرين ليس الشتائم، إنما الخطر يكمن فيما يوجّه لهم من الأسئلة الذكية. لأن السؤال الجيد يشبه الضوء، فهو لا يخلق الحقيقة، لكنه يكشف ما كان مختبئًا في الظلام. ولهذا كان (كارل بوبر - Karl Popper) يرى أن الفكرة القوية ليست التي تخاف من الاختبار، بل التي تنجو بعد طرح الإختبار. أما الفكرة الهشة فتنهار أمام أول سؤال حقيقي.

إن أخطر ما في "الاستنتاج" أنه يعيش دائمًا في المنطقة الواقعة بين الذكاء والوهم. فهو قادر على إنقاذ الحاكمية، وقادر ايضًا على تدميرها. فالعاقل لا يخاف من السؤال، لأنه يعرف أن "الاستنتاج" الصحيح لا يولد من اليقين المتعجرف، فهو لديه الحق في الشك لتبيان الحقيقة. أما الإنسان الذي يستنتج قبل أن يفهم، فإنه غالبًا ما يحوّل رأيه الى جنازة متنكرة بصفة تحليل. 

بعد هذا بات لنا أن نتناول "الإستنتاج" ضمن المفهوم الفلسفي لنعرفه: بأنه امكانية العقل على بناء معنى غير مرئي انطلاقًا من معطيات مرئية أو ناقصة.

أما أكاديميًا، فيمكن اعتباره: عملية ذهنية يتم فيها الانتقال من مقدمات أو مؤشرات أو بيانات جزئية الى نتيجة مرجّحة عبر أدوات التحليل والاستدلال.

لكن في الحياة الواقعية، ربما يكون التعريف الأبسط والأصدق للإستنتاج : هو من خلال أن ترى الأثر فتعرف اقدام من تكون من العابرين، على أن الإنسان بنهاية المطاف لا يعيش على الحقائق وحدها قدر ما يستطيع استنتاج تلك الحقائق من ذواتها. ولهذا تجد أحيانًا أن هناك اثنان يستمعان لذات الجملة ، فترى احدهم يخرج بحكمة، فيما يخرج الآخر بحرب ضروس.

المنشورات ذات الصلة