عاجل:

المتحف الوطني في بيروت… ذاكرةٌ نجت من الحرب لتروي تاريخ وطن

  • ١٨

في مدينةٍ اعتادت أن تحفظ ذاكرتها وسط الركام، يقف المتحف الوطني في بيروت شاهدًا على تاريخٍ لم تُطفئه الحروب، ولا غيّبت معالمه سنوات الانقسام. وبين جدرانه التي عبرتها حضاراتٌ متعاقبة، احتفل لبنان هذا العام باليوم العالمي للمتاحف، في مناسبةٍ حملت أكثر من بعد ثقافي، لتتحوّل إلى رسالةٍ عن الهوية والذاكرة وما يجمع اللبنانيين رغم كل الأزمات.

وبحضور وزير الثقافة غسان سلامة، أُقيمت الفعالية في 17 أيار، عشية اليوم العالمي للمتاحف الذي يصادف في 18 أيار من كل عام، برعاية من المجلس الدولي للمتاحف “ICOM”، المؤسسة العالمية المعنية بحماية المتاحف وتعزيز دورها الثقافي والإنساني حول العالم.

هذا العام، حملت المناسبة شعار “المتاحف تجمعنا”، وهو شعار بدا أقرب إلى واقع لبنان اليوم. فالمتحف الوطني لم يكن يومًا مجرّد مساحة تُعرض فيها القطع الأثرية، بل مكانًا تختزن فيه ذاكرة البلاد، وتلتقي فيه الحضارات التي مرّت على هذه الأرض منذ آلاف السنين.

مديرة هيئة المتاحف، أنّا ماري عفيش، شدّدت خلال حديثها على أهمية هذه المساحات الثقافية في تعزيز الانتماء والوعي بالهوية، معتبرةً أن المتاحف “تعرّفنا أكثر إلى تاريخنا وثقافتنا وحضارتنا، وتقرّب الناس من بعضهم البعض”. وأوضحت أنّ اختيار يوم الأحد 17 أيار للاحتفال، بدلًا من 18 أيار، جاء لإتاحة الفرصة أمام عدد أكبر من الزوار للمشاركة، في خطوة هدفت إلى إعادة وصل الناس بالمتحف وتشجيعهم على زيارته.

وفي وقتٍ لا يزال فيه لبنان يرزح تحت أزمات متلاحقة، يعلّق القائمون على المتحف آمالًا كبيرة على الموسم السياحي المقبل، بانتظار عودة الزوار والسياح والمغتربين اللبنانيين الذين يشكّل المتحف الوطني محطةً أساسية لهم عند زيارة وطنهم. فهنا، لا يكتشف الزائر آثارًا قديمة فحسب، بل يقترب أكثر من صورة لبنان الحقيقية؛ لبنان الحضارة والتاريخ والثقافة.

ويضم المتحف الوطني أكثر من 1300 قطعة أثرية معروضة، من أصل آلاف القطع المحفوظة داخله، تعود إلى مراحل تاريخية تمتد من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى الحقبة العثمانية. وبين ناووس أحيرام، أقدم شاهد على الأبجدية الفينيقية، والفسيفساء الرومانية، والمومياءات المكتشفة في وادي قاديشا، تبدو كل قطعة وكأنها فصلٌ كامل من حكاية هذا البلد.

لكن تاريخ المتحف نفسه لا يقل أهمية عن مقتنياته. فقد بدأت نواته الأولى عام 1914، عندما جمع الضابط الفرنسي ريمون ويل عددًا من القطع الأثرية في بيروت، قبل أن يُفتتح المتحف رسميًا عام 1942. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، تحوّل المبنى الواقع على خط التماس إلى شاهدٍ على واحدة من أكثر مراحل البلاد قسوة. أُغلقت أبوابه، وغُطيت الفسيفساء بالإسمنت لحمايتها، فيما أُحيطت التماثيل والنواويس بأكياس الرمل والجدران الإسمنتية خوفًا من القصف والنهب، حتى أصبح المتحف في تلك الفترة وكأنه مخزن ذاكرة محاصر بين طرفي الحرب، لا يغادره التاريخ رغم صمت جدرانه.

ورغم الأضرار الهائلة التي لحقت به خلال سنوات الحرب، عاد المتحف إلى الحياة بعد عمليات ترميم وتأهيل طويلة بدأت في تسعينيات القرن الماضي، ليُعاد افتتاحه تدريجيًا أمام الزوار، ويستعيد دوره كأحد أبرز المعالم الثقافية في لبنان. وقد شكّل لحظة إعادة فتحه بعد الحرب حدثًا رمزيًا كبيرًا، إذ اعتُبر عودة للذاكرة الوطنية إلى الفضاء العام بعد سنوات من الانقطاع، وكأن القطع التي بقيت صامتة لعقود بدأت تستعيد صوتها من جديد داخل القاعات.

ومن أكثر ما يميّز المتحف أيضًا موقعه الفريد الذي جعله جزءًا من ذاكرة الحرب نفسها، إذ بقي خط التماس يمرّ بمحاذاته خلال سنوات القتال، فكان المبنى شاهدًا مباشرًا على الانقسام، وفي الوقت نفسه الحارس الصامت لما حاولت الحرب طمسه. هذا التناقض بين الدمار الخارجي والحفاظ الداخلي جعل المتحف واحدًا من أكثر المتاحف تفرّدًا في العالم من حيث قصته وليس فقط مقتنياته.

اليوم، لا يبدو المتحف الوطني مجرد مبنى يحتفظ بآثار الماضي، بل مساحة حيّة تذكّر اللبنانيين بما يجمعهم. ففي بلدٍ أنهكته الانقسامات، تبقى الثقافة واحدة من آخر المساحات القادرة على جمع الناس حول ذاكرة مشتركة وهوية واحدة.

المنشورات ذات الصلة