عاجل:

مقالع الترابة في الكورة: الأوطان لا تُبنى على تدمير القرى وتجريف الجبال

  • ١٥
أكدت لجنة متابعة أزمة مقالع شركات الترابة في الكورة، أنه "في كل مرة تُحاصر فيها شركات الترابة بالقانون أو بالصوت الشعبي أو بالحق البيئي، تُخرج الأسلحة نفسها من الأدراج نفسها: الترهيب الاقتصادي، الابتزاز الاجتماعي، وتحريك شبكات المصالح التي نسجتها على مدى عقود داخل السياسة والإدارة والإعلام وبعض النقابات. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يختاروا بين الموت البطيء وبين "لقمة العيش" التي تحوّلت إلى أداة ابتزاز جماعي. من أجل المليارات... قرى كاملة تُدفع نحو الزوال."

وقالت في بيان: "أول أدوات الضغط التي تعتمدها هذه الشركات هي دفع العمال إلى القيام بجولات على المرجعيات السياسية والدينية والإدارية لإظهار "حجم الكارثة" الناتجة عن إغلاق المصانع. يتم تصوير الأمر وكأن آلاف العائلات ستُرمى في الشارع، فيما الحقيقة التي يعرفها الجميع أن هذا المشهد يُدار بعناية لتأليب الرأي العام وتحويل الضحية إلى متهم. هنا يبرز بوضوح التدخل السياسي المستفيد من شركات الترابة، حيث تتحرك قوى نافذة للضغط باتجاه إعادة فتح المقالع والجرف، لا دفاعًا عن العمال، بل دفاعًا عن منظومة مالية ضخمة راكمت الثروات على حساب صحة الناس وأرضهم. ثم تأتي مرحلة العرائض وبيانات التأييد التي يُجبر العمال وعائلاتهم على توقيعها، وتُفرض بيانات الولاء والتأييد بالقوة والترهيب أو بالرشوة بالمال والمساعدات الغذائية. إنّ إجبار العمّال وأسرهم على توقيع عرائض تأييد لا يُعدّ تعبيرًا حرًّا عن الرأي، بل شكلًا من أشكال الابتزاز المعنوي واستغلال الحاجة المعيشية لتوظيف الناس في معركة مصالح لا تشبههم".

واضافت: "لا تتوقف الحملة عند هذا الحد، بل يجري تنظيم تحركات لبعض تجار الأسمنت، وهم الحلفاء الطبيعيون لشركات الترابة، حيث تتشابك المصالح والأرباح والمنافع المتبادلة. هؤلاء لا يدافعون عن الاقتصاد الوطني كما يدّعون، بل عن شبكة أرباح هائلة تهتز كلما طُرح خيار الاستيراد أو كُسر الاحتكار المفروض على السوق اللبنانية. أما استحضار نقابة مالكي شاحنات النقل الخارجي إلى واجهة المشهد، فهو جزء من المسرحية نفسها. فجأة يصبح الحديث عن "إنقاذ الاقتصاد الوطني"، وكأن شركات الترابة مؤسسات عامة مملوكة للدولة وليست شركات خاصة يملكها أفراد راكموا مليارات الدولارات، فيما تتمنّع هذه الشركات نفسها عن دفع ما عليها من ضرائب ورسوم للدولة اللبنانية. أي اقتصاد وطني هذا الذي يُبنى على تدمير القرى، وتجريف الجبال، وخنق الناس بالغبار والسرطان والأمراض التنفسية؟ كل هذه التحركات تؤكد المؤكد أن هدف شركات الترابة هو ممارسة الجرف المتوحش لتأمين كميات هائلة من الأسمنت للتصدير وللسوق المحلي، مع تحكم كامل بسعر البيع".

وأردفت: "الحقيقة الأخطر أن مواقع الجرف في بدبهون وكفرحزير وغيرها قد استُنزفت بالكامل. العودة إلى الجرف ليست "استئناف عمل"، بل حكم بالإعدام البيئي والصحي والنفسي على قرى بأكملها. إنها عملية اقتلاع ممنهجة للإنسان من أرضه. بدبهون نفسها باتت مهددة بالزوال عن الخريطة إذا استمرت هذه الجريمة تحت غطاء الدولة".

وتابعت: "أما التباكي على العمال، فهو أكثر ما يفضح النفاق القائم. فالعمال لم يتوقفوا عن العمل خلال السنوات الماضية، إذ كانت شركات كـ"السبع" و"هولسيم" تستورد الكلينكر من مصر وتتابع نشاطها بصورة طبيعية. وبالتالي، فإن الأزمة ليست أزمة عمال ولا أزمة اقتصاد، بل أزمة طمع وجشع وتوحش في الاعتداء على البيئة وحياة البشر، وحرص هستيري على استمرار تدفق الثروات إلى جيوب تجار الأسمنت ومن يدور في فلكهم من سياسيين ومنتفعين".

وقالت: "المؤسف أن الدولة اللبنانية تتحمل اليوم مسؤولية مباشرة أمام الشعب اللبناني عن قرارات خطيرة تؤمن الغطاء الكامل لجرائم شركات الترابة، وتساهم عمليًا في تهجير أبناء القرى الضحية. فحين تمتنع الدولة عن فتح باب الاستيراد الحر للأسمنت والكلينكر، فهي لا تحمي الصناعة الوطنية كما تدّعي، بل تمارس تواطؤًا مفضوحًا لدعم الاحتكار ومنح شركات الترابة حق تجريف الجبال بلا حسيب ولا رقيب. أما "الروتوش البيئي" الذي يُقدَّم للرأي العام على شكل شروط شكلية وتقارير تجميلية، فهو مجرد ذرّ للرماد في العيون. السؤال الكبير اليوم: أين الجمعيات البيئية الوطنية المؤتمنة على حق الناس بالحياة؟ أين نواب الأمة الغارقون في الصمت وكأن هذا الملف لا يعنيهم؟ هنا لا بد من توجيه التحية إلى النواب د. نجاة صليبا وحليمة قعقور وبولا يعقوبيان لموقفهم المشرف في مواجهة حيتان الأسمنت، في وقت اختار فيه كثيرون الهروب أو الصمت أو التواطؤ. أين الإعلام اللبناني المرئي من هذه الكارثة؟ لماذا تحوّل بعضه إلى أبواق تلميع وتبخير لشركات الترابة بدلًا من أن يكون صوت الناس وضميرهم؟ لماذا يُحجب صوت القرى المنكوبة فيما تُفتح الشاشات على مدار الساعة لحملات الضغط المنظمة والممولة؟ لكن رغم كل هذا الترهيب والابتزاز، فإن أهالي القرى لن يستسلموا. وستتم مواجهة هذه الحملات المأجورة والموجهة بالقانون، وبكل الوسائل الحضارية والدستورية المتاحة، دفاعًا عن الحق بالحياة والبيئة والصحة والكرامة الإنسانية".

وختمت: "لا يزال هناك رهان على موقف إنقاذي من قبل فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون ودولة الرئيس نواف سلام قبل أن يُنقل هذا الملف بالكامل، بكل وثائقه وتفاصيله الخطيرة، إلى المؤسسات الدولية والأممية المعنية بحقوق الإنسان في بيئة سليمة لا تسبب مرضه وموته ثم تهجيره، وحياة كريمة. وعندها لن يكون سهلًا حماية كل من سهّل وتواطأ وشارك في هذه الجريمة التي تُرتكب بحق قرى مأهولة تحت كذبة "دعم الاقتصاد الوطني".
المنشورات ذات الصلة