عاجل:

هآرتس: تايوان مقابل إيران؟!

  • ٤٠

بقلم: إيال بروفر

من المتوقع أن يحطّ دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، في بكين، في زيارة يتحدث عنها ويغرّد بشأنها كثيراً، مفعماً بالتفاؤل، نظراً إلى أهميتها ونجاحها. 

وإذا كان لدى أحد شك في أن الزيارة ستتم فعلاً، فأتى التأكيد، الأسبوع الماضي، مع هبوط أربع طائرات ضخمة في بكين، قامت بتفريغ سيارات ومعدات مخصصة لحماية الرئيس، قبل أن تمنح السلطات الصينية موافقتها الرسمية. 

إن القمم بين القادة ليست أمراً اعتيادياً؛ إذ يُخطَّط لها بدقة متناهية، مع حرص كل طرف على الخروج بتصريحات واتفاقيات تعزز العلاقات الثنائية وتخدم المصالح الوطنية. 

إذاً، ما هي أهداف هذه الزيارة في هذه المرحلة المضطربة؟ 

قام ترامب بزيارة رئاسية واحدة للصين في تشرين الثاني 2017، في بداية ولايته الأولى؛ وقتها، حظيَ باستقبال خاص من شي جين بينغ، شمل مأدبة رسمية في «المدينة المحرمة»، ليصبح أول رئيس أميركي ينال هذا الشرف. 

وخلال تلك الزيارة، أغدق ترامب كلمات المديح على شي جين بينغ، وقال من بين أمور أُخرى: «نشأت بيننا كيمياء ممتازة، وأعتقد أننا سنقوم معاً بأشياء مذهلة من أجل الصين والولايات المتحدة». 

كذلك لمّح ترامب إلى أن الإدارات الأميركية السابقة تعاملت مع ملف التجارة بشكل غير صحيح، وأضاف إنه لا يلوم الصين لأنها استفادت من ذلك لتحقيق مكاسب على حساب الولايات المتحدة، وختم بالقول: «الآن، سنعمل معاً لجعل الأمر عادلاً، وسيكون ذلك رائعاً لكلا الطرفين». 

ويمكن أن يكون شي جين بينغ خرج بانطباع، مفاده بأنه يمكن العمل مع ترامب، مثلما فعلت الصين مع رؤساء أميركيين سابقين. 

لكن بعد الزيارة، أدرك الصينيون أن الكلام شيء والواقع شيء آخر. 

لقد عاد ترامب إلى واشنطن وبدأ حرباً تجارية، وفرض عقوبات ثقيلة على شركات صينية. 

وبعد أشهر، أعلن انسحاباً أحادي الجانب من الاتفاق النووي مع إيران، وهو الاتفاق الذي كانت الصين إحدى الدول الست التي وقّعته، كما أن شي جين بينغ نفسه ساعد في نقل رسائل أميركية إلى القيادة الإيرانية خلال المراحل الأخيرة من المفاوضات. 

بلغ التوتر بين بكين وواشنطن ذروته في كانون الأول 2018، عقب مذكرة توقيف أميركية أدت إلى اعتقال منغ وانزو، ابنة مؤسس شركة هواوي والمديرة المالية للشركة، في كندا، بتهمة بيع منتوجات لإيران بشكل مخالف للعقوبات. 

وكان ترامب يدرك أهمية منغ في النخبة الصينية، ووصفها في أحاديث خاصة بأنها «إيفانكا ترامب الصينية».

ورأى الصينيون في هذه الخطوة ضربة تحت الحزام. وأدّت سياسات ترامب إلى أزمة طويلة استمرت أعواماً، ولم يتم التوصل إلى اتفاق أدى إلى إطلاق سراح منغ إلّا في أيلول 2021 خلال ولاية جو بايدن. 

والآن، في ظل الحرب مع إيران - والتي وصفها بعض المحللين بأنها تمرين تحضيري لحرب مع الصين - وفي وقتٍ تواصل فيه واشنطن فرض عقوبات على شركات صينية والعمل بشكل هجومي ضد النفوذ الصيني في نصف الكرة الغربي، وخصوصاً في فنزويلا وبنما، يعود ترامب مرة أُخرى ليحلّ ضيفاً على «بلاط الإمبراطور». 

وتبرز الفوارق الثقافية وطريقة العمل بين البلدين في التحضيرات للزيارة؛ ففي حين يتحدث ترامب علناً، يلتزم الصينيون الصمت. 

وكانت الرسالة الوحيدة التي نقلتها بكين في خلاصة المحادثة التحضيرية بين وزيرَي الخارجية الصيني والأميركي حين أوضح الوزير الصيني ما يهم بلده حقاً: «قضية تايوان هي المسألة الأخطر في العلاقات الثنائية. وتتوقع الصين أن تفي الولايات المتحدة بتعهداتها تجاه الصين، وأن تختار الطريق الصحيح، ما سيفتح المجال أمام التعاون بين القوتين والعمل المشترك من أجل السلام العالمي».

وبالترجمة من اللغة الدبلوماسية الصينية: إن تصريحاً أميركياً واضحاً يؤكد مبدأ «الصين الواحدة»، ويخفف المخاوف الصينية من خطواتٍ استقلالية تقوم بها تايوان، وربما يؤدي إلى تقليص مبيعات الأسلحة الأميركية للجزيرة، يمكن أن يدفع الصين إلى إظهار مرونة في قضايا مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. 

وفي زيارة ترامب لبكين، ربما تكتشف تايوان وإيران أنه جرى إلقاؤهما تحت عجلات مصالح القوى الكبرى. 

فماذا يريد ترامب؟ يدرك الصينيون أن ترامب يسعى لإبرام اتفاق مُرضٍ مع إيران يسمح له بطيّ صفحة الحرب، فضلاً عن الحصول على «امتيازات» في مجالات التجارة والتكنولوجيا وتوريد المعادن النادرة. 

وسيُظهر الصينيون مرونة «بالأسلوب الصيني»، أي التقدم قليلاً نحو الولايات المتحدة دون المساس بالمصلحة الصينية في هذه الملفات، ولن يفعلوا ذلك إلّا في مقابل ثمن مناسب. 

ومن المتوقع أن يكون الطرفان بدآ فعلاً العمل خلف الكواليس على صيَغ يمكن عرضها كنجاحات خلال الزيارة. 

ولهذا السبب، جرت محادثة تحضيرية بين وزيرَي التجارة في القوتين، كذلك قام وزير الخارجية الإيراني بزيارة لبكين. 

وفي هذه الأثناء، تستمر الاشتباكات العلنية بين واشنطن وبكين، سواء عبر إعلان الصين وقف صفقة استحواذ Meta على شركة الذكاء الاصطناعي الصينية Manus، أو عبر فرض العقوبات الأميركية على مصافي تكرير صينية بسبب تعاونها مع إيران، وردّت الصين بأن الالتزام بهذه العقوبات غير مقبول. 

ويمكن التقدير بحذر أن هذه الخطوات تمثل تمهيداً للزيارة، التي ربما يتم خلالها إعلان حلول لبعض الخلافات. 

وخلاصة القول: إن موقفاً أميركياً إيجابياً بشأن تايوان ربما يقود إلى خطوات صينية في اتجاه ترامب، بما في ذلك انخراط أكبر لبكين في الجهود الرامية إلى إيجاد حل دبلوماسي للأزمة في الخليج الفارسي، وإذا اقتضت الحاجة، فربما تُلقي الصين بإيران تحت عجلات مصالحها، مثلما فعلت في السابق. والصينيون لن يقبلوا أقل من ذلك. وفي أي حال، فإن إظهار تعاوُن علني بين زعيمَي القوتين العظمَيين يمكن أن يساعد على تخفيف التوتر العالمي، وربما يساهم، ولو قليلاً، في استقرار النظام الدولي.

المنشورات ذات الصلة