عاجل:

من دمشق إلى بيروت: نواف سلام يفتح الباب على "الشرق الجديد"

  • ٢٣
هل يمكن لبلدين يحملان كل هذا الثقل من الماضي أن يبدآ من جديد؟ ما شهدته زيارة سلام إلى دمشق يجعلني أميل للمرّة الأولى منذ سنوات إلى القول: ربّما.

لم تكن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق مجرد محطة بروتوكولية عابرة، ولا لقاءً سياسياً تقليدياً يُضاف إلى أرشيف العلاقات اللبنانية - السورية.

بعيداً عن إرث عقود من الوصاية والتدخل، بدأت مع دخول الجيش السوري لبنان عام 1976 ولم تنتهِ إلا عام 2005 على وقع دماء الرئيس رفيق الحريري، مرورًا باغتيالات طالت سياسيين وصحفيين، وتركت ندوبًا عميقة في الذاكرة اللبنانية لم تندمل بعد.

اللقاء الذي جمع سلام بالرئيس السوري أحمد الشرع جاءَ في توقيت إقليمي بالغ الدقّة، حيث تتحرّك المنطقة بأكملها على وقع تحوّلات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، وسط إعادة رسم لموازين النفوذ وخطوط التجارة والطاقة والممرّات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وقد كشفت مصادر سياسية مطّلعة لـ "إيست نيوز" أن "الزيارة تؤسّس فعليًا لمُقاربة جديدة في العلاقة بين البلدين، تقوم على التعامل بين دولتين مُستقلتين ضمن إطار المصالح المُشتركة والاحترام المُتبادل، مُشيرةً إلى أن المرحلة السابقة بكل تعقيداتها باتت خلف الطرفين، فيما تفرض التحوّلات الإقليمية الراهنة على بيروت ودمشق إعادة تنظيم علاقتهما بما يخدم مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية".

وبحسب المصادر، فإن "النقاشات التي جرت خلال اللقاء لم تقتصر على العناوين السياسية التقليدية، بل تناولت بصورة موسّعة ملفات النقل والتبادل التجاري والطاقة والمعابر البريّة، إضافة إلى مستقبل التعاون الإقتصادي بين البلدين في ظلّ المشاريع الجديدة التي يجري التحضير لها في المنطقة".

ويحاول لبنان استعادة دوره كمركز عبور وخدمات في شرق المتوسط، خصوصًا في ظلّ الحديث المتزايد عن مشاريع اقتصادية ضخمة ستربط الخليج بأوروبا عبر مسارات جديدة، الأمر الذي يمنح مرفأَي بيروت وطرابلس فرصة لإعادة التموضع إذا نجح لبنان في استثمار موقعه الجغرافي. في المقابل، تنظر سوريا إلى المرحلة المُقبلة من زاوية اقتصادية مُختلفة، تقوم على الانفتاح التدريجي وإعادة بناء الشراكات الإقليمية بعدما تغيّرت أولويات المنطقة وتبدّلت حساباتها.

وتؤكّد المصادر نفسها أن "الزيارة عكست رغبة مُتبادلة في الانتقال من مرحلة الشكوك إلى مرحلة أكثر هدوءًا وتوازنًا، تقوم على احترام سيادة كل دولة وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية".
"كما حضر ملف ترسيم الحدود في خلفية اللقاء، سواء في ما يتعلّق بالحدود البرية أو بمسألة مزارع شبعا والنقاط العالقة، خصوصاً أن أي ترتيبات مستقبلية في الجنوب اللبناني ستفرض نوعًا من التنسيق غير المباشر بين العاصمتين".

ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الزيارة، يدرك المُراقبون أن ترجمة هذه العناوين إلى خطوات عملية لن تكون سهلة أو سريعة، في ظلّ الأزمات العميقة التي يعيشها البلدان على المستويين الاقتصادي والمؤسّساتي.

بيد أن الرسالة الأهم تبقى في أن المنطقة دخلت فعلًا مرحلة جديدة، وأن العلاقة بين لبنان وسوريا بدأت تتحرّك تدريجيًا من منطق الماضي إلى حسابات المستقبل، حيث تحكم المصالح الاقتصادية والجغرافيا السياسية شكل العلاقات أكثر من الشعارات والانقسامات التقليدية.

إنها مُحاولة لإعادة تموضع البلدين داخل شرق أوسط يتغيّر بسرعة... ومن لا يجد لنفسه مكاناً في الخريطة الجديدة، قد يجد نفسه خارج اللعبة بالكامل.
المنشورات ذات الصلة