عاجل:

بعد زيارة سلام إلى دمشق: أسئلة في إعادة تعريف العلاقة بين سوريا ولبنان

  • ١٩

أُطفئت الأنوار وأغلقت مكاتب المجلس الأعلى السوري ـ اللبناني في ساحة التحرير شرق العاصمة دمشق. ومن ينظر اليوم إلى المبنى الفارغ يدرك، برمزية المكان، أن مرحلة كاملة من العلاقة التي حكمت البلدين لعقود قد انطوت، وأن البلدين يقفان أمام محاولة إعادة صياغة لعلاقتهما السياسية والاقتصادية والأمنية.

وفي هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق، حيث استقبله الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، بحضور وفدين وزاريين من البلدين. وبحث الجانبان تعزيز العلاقات الثنائية، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، وتعزيز التنسيق الأمني، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية.

وأكد سلام في ختام الزيارة أن المباحثات هدفت إلى إطلاق مبادرات جديدة بين البلدين، مشيرًا إلى أن نتائج عملية ستظهر قريبًا، مع الاتفاق على استمرار التشاور السياسي والوزاري، ومتابعة تنفيذ اتفاقية نقل السجناء، والتشدد في ضبط الحدود ومنع التهريب، إلى جانب التعاون في ملف عودة النازحين. كما كُشِف عن الاتفاق على إطلاق مجلس أعمال لبناني ـ سوري مشترك سيعقد اجتماعه الأول قريبًا.

لكن خلف العناوين المعلنة، تحمل العلاقة والملفات أسئلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا على الأرض.

وأبعد من ملف الترسيم في القرى الحدودية الممتدة من البقاع إلى عكار، لم تكن الحدود يوماً فاصلاً نهائياً بين المجتمعين. بعض أهالي القرى اللبنانية كانوا يقصدون مستشفيات حمص لقربها وانخفاض تكلفتها، فيما يعمل آخرون يوميًا داخل الأراضي السورية ويعودون مساءً إلى بلداتهم اللبنانية.

وخلال سنوات الحرب، نشأ اقتصاد حدودي واسع شمل تجارة المحروقات والمواد الغذائية والأدوية واليد العاملة، وصولاً إلى شبكات التهريب والنقل غير الرسمي. هذا الواقع خلق مصالح متشابكة بين شبكات لبنانية وسورية، وتحول إلى جزء من دورة الحياة اليومية لعشرات آلاف العائلات، ما جعل أي محاولة لضبط الحدود أو إغلاق المعابر غير الشرعية مسألة اقتصادية واجتماعية، وليست مجرد قضية أمنية تحل فقط بزيادة عدد الدوريات العسكرية على كلا الجانبين.

وطوال عقود، تعامل لبنان مع سوريا باعتبارها الممر البري الوحيد نحو الأردن والخليج والعراق. لكن دمشق بدأت، بعد سقوط النظام السابق، بالعمل على استعادة دورها الإقليمي كمركز عبور وتجارة.

ويظهر ذلك من خلال مشاريع وخطط إقليمية، أبرزها الطموحات التركية لإعادة تفعيل خط سكة حديد الحجاز الممتد من تركيا إلى الأردن عبر سوريا، بما قد يعيد رسم خريطة الترانزيت في المنطقة، ما يطرح تساؤلات حول موقع لبنان في هذه المعادلة الجديدة، وهو الذي خسر في قطاع النقل سككه الحديدية منذ عقود طويلة.

من عبر الحدود السورية - اللبنانية خلال الأسابيع الماضية، يرى أزمة الشاحنات المتوقفة عند معبر المصنع، حيث تكشف حجم اعتماد الاقتصاد اللبناني على الأراضي السورية للوصول إلى الأسواق العربية. وفي المقابل، لم تعد دمشق تنظر إلى بيروت باعتبارها البوابة التجارية الوحيدة لسوريا، بل تسعى تدريجيًا إلى إعادة تأهيل مرافئها وأسواقها.

فهل يخسر لبنان "فرصة الإعمار"؟

يردد بعض اللبنانيون خلال حديثهم مع سوريين، "سيأتي يوم نطلب منكم إصدار أوراق عمل لنا في بلدكم"، فقد ساد اعتقاد في لبنان، بأن إعادة إعمار سوريا ستشكل فرصة اقتصادية كبرى، وخصوصًا لمرفأ طرابلس والشركات اللبنانية والقطاع المصرفي. إلا أن الوقائع الحالية تشير إلى مشهد مختلف.

فالقطاع المصرفي لم يتعافَ من انهيار عام 2019، كما فقدت شركات كثيرة قدرتها التمويلية بعد الحرب الأخيرة، فيما لم يتحول مرفأ طرابلس حتى الآن إلى منصة مركزية لمرحلة إعادة الإعمار.

وفي المقابل، بدأ مستثمرون وتجار لبنانيون ينظرون إلى السوق السورية كمساحة اقتصادية أقل كلفة وأكثر جذبًا في بعض القطاعات، خصوصًا إذا دخلت سوريا تدريجيًا مرحلة استقرار نسبي ورفع فعلي للعقوبات.

هذا التحول يفتح الباب أمام معادلة جديدة، من اقتصاد سوري كان يعتمد تاريخيًا على بيروت ماليً وتجاريًا، إلى اقتصاد لبناني يبحث عن فرص داخل سوريا.

ويظهر ذلك أيضًا في المشهد الإعلامي، حيث باتت المؤسسات الإعلامية اللبنانية تنظر إلى الملف السوري باعتباره مساحة جاذبة للممولين والإعلانات، ما دفع بعض الوسائل إلى التوسع داخل السوق السورية أو بناء شراكات إعلامية مرتبطة بها، مثل تلفزيون "أنا سوريا" التابع لمحطة MTV، والتعاون بين تلفزيون "سوريا الثانية" ومحطة LBCI في إنتاج أحد البرامج الفنية السورية.

أمّا بالنسبة للنزوح السوري، فقطاعات الزراعة والبناء والمطاعم والنقل والخدمات والصناعات الصغيرة، تعتمد في لبنان بصورة كبيرة على اليد العاملة السورية، وهو واقع يعود جزئيًا إلى ما قبل عام 2011، لكنه تعزز بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.

لذلك، فإن أي عودة جماعية وسريعة للنازحين تشكل تحديًا اقتصاديًا للبنان، في وقت تنظر فيه دمشق إلى ملف العودة من زاوية مختلفة ترتبط بالحاجة إلى استعادة اليد العاملة وتحريك الاقتصاد المحلي وإعادة تنظيم حركة السكان.

وفي الوقت نفسه، أنتج النزوح تحولات اجتماعية عميقة، مع ظهور جيل سوري نشأ داخل لبنان، باتت قرى البقاع ومدنه جزءًا من ذاكرته اليومية وانتمائه، بعدما درس وعمل وتأقلم مع نمط الحياة اللبناني، ما خلق واقعًا اجتماعيًا جديدًا يصعب التعامل معه عبر المقاربات السياسية والتربوية التقليدية.

وبعد انهيار القطاع المصرفي اللبناني، توسعت شبكات مالية غير رسمية بين لبنان وسوريا، شملت التحويلات النقدية والصرافة الحدودية ونقل الدولار والتسويات التجارية النقدية. وتحولت هذه الشبكات إلى جزء أساسي من الاقتصاد الفعلي بين البلدين، في ظل ضعف النظام المصرفي اللبناني وصعوبة التحويلات الرسمية والعقوبات التي فُرضت سابقًا على سوريا.

كما تحولت بعض المناطق الحدودية إلى مراكز مالية موازية تعتمد على التداول النقدي اليومي، ما عزز الاقتصاد غير الرسمي وأضعف قدرة الدولتين على الرقابة والتنظيم. أمام اقتصاد "الظل" و"السوق السوداء"، الوزارات المعنية في البلدين، ستكون أمامها مهمة إعادة هيكلة الاقتصاد وتنظيمه وتفكيك هذه الشبكات غير الشرعية، التي ما تزال فاعلة حتى اليوم.

السعودية وتركيا: إعادة تموضع إقليمي

بالتوازي مع التحولات الداخلية، تعيد قوى إقليمية تموضعها داخل المشهد السوري ـ اللبناني، وفي مقدمتها السعودية وتركيا.

فالسعودية تنظر إلى استقرار سوريا وإعادة دمجها عربيًا باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية وتقليص النفوذ الإيراني، كما تسعى إلى لعب دور اقتصادي في إعادة الإعمار والاستثمار والبنية التحتية، وهو ما ينعكس أيضًا على لبنان، سواء عبر مشاريع الطاقة أو تنشيط الحركة التجارية، إضافة إلى دورها في الوساطة بين بيروت ودمشق في ملف ترسيم الحدود.

أما تركيا، فتتعامل مع سوريا من زاوية جيوسياسية واقتصادية وعسكرية، تشمل التجارة البرية وخطوط النقل والطاقة وإعادة تشكيل طرق العبور نحو المنطقة العربية، إضافة إلى التعاون العسكري مع دمشق، ما قد يفتح مستقبلاً باب المنافسة على المرافئ والأسواق والنفوذ في شرق المتوسط وتحديدًا الصراع على آبار الغاز.

الجنوبان تحت النار

وبالنسبة للطائرات المسيّرة التي تحلق فوق بيروت، فتعبى أيضًا سماء دمشق، والغارات على جنوب لبنان يقابلها توغلات إسرائيلية داخل الجنوب السوري، وذلك في إطار سعي تل أبيب إلى فرض واقع أمني جديد يمنع تشكل امتداد عسكري متصل بين الجولان السوري والجنوب اللبناني.

كما أدى استهداف المعابر والطرق الحدودية إلى تعطيل مسارات التجارة والنقل بين البلدين، في وقت تخوض فيه بيروت ودمشق، كلٌّ بطريقته، مفاوضات أمنية مع إسرائيل برعاية أميركية، وسط مخاوف من محاولات فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة في كلا البلدين.

في ضوء كل ذلك، تبدو زيارة سلام إلى دمشق أكثر من مجرد زيارة بروتوكولية، بل مؤشرًا إلى بداية مرحلة جديدة تحاول فيها بيروت ودمشق إعادة تعريف علاقتهما، بعد تغير المعادلات الداخلية والإقليمية التي حكمت البلدين لعقود طويلة.

المنشورات ذات الصلة