عاجل:

لبنان بين هدنة النار ومفاوضات المصير: هل يقف الجنوب على أبواب تسوية أم أمام إعادة رسم قواعد الاشتباك؟

  • ٩٥

في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، يقف لبنان عند مفترق بالغ التعقيد، حيث تتداخل تداعيات الحرب الأخيرة مع استحقاقات داخلية ضاغطة وتحولات إقليمية كبرى تعيد صياغة خرائط النفوذ والاشتباك في المنطقة. فبعد جولات التصعيد العنيف التي شهدها الجنوب والضاحية والبقاع، وما رافقها من دمار واسع ونزوح قاسٍ للسكان، دخل المشهد مرحلة هدنة هشة لا تزال تتعرض لاختبارات يومية، وسط تصاعد النقاش الداخلي حول خيارات الدولة اللبنانية، من التفاوض المباشر مع إسرائيل إلى مستقبل السلاح غير الشرعي، وصولاً إلى طبيعة التحولات الاستراتيجية التي تحكم الإقليم بأسره.


وفي قراءة معمقة لهذا المشهد، يقدم أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور وليد صافي، ضمن مقابلة لموقع "إيست نيوز"،مقاربة سياسية وقانونية تتناول أبعاد السجال الداخلي، والسيناريوهات المقبلة جنوبًا، كما تضع ما يجري ضمن سياق التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة.


وفيما يتعلق بالحملة السياسية التي يتعرض لها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، يرى صافي أن "جوهر الاعتراض الصادر عن حزب الله لا يرتبط فقط بشكل التفاوض، بل بمرجعيته السياسية". فبحسب قراءته، "يعترض الحزب أساسًا على أن تكون الدولة اللبنانية المرجعية الحصرية في أي مسار تفاوضي مع إسرائيل، لأن تثبيت هذه المرجعية يعني تلقائيًا أن ملف سلاح الحزب سيكون جزءًا من أي نقاش سياسي أو أمني مقبل".

ويشير إلى أن "الحزب يفضل، في المقابل، سيناريوهات تفاوضية تكون فيها المرجعيات الإقليمية، ولا سيما الإيرانية، جزءًا من المعادلة، بما يتيح له البقاء في موقع أقل التزامًا تجاه الدولة اللبنانية ويمنحه هامشًا أوسع للمناورة السياسية. أما إذا ثبتت مرجعية الدولة بشكل واضح، فلن يكون بمقدوره فرض شروطه أو التحكم بمسار التفاوض، وسيصبح سلاحه مطروحًا حكمًا على الطاولة".


أما بشأن المرحلة التي تلت وقف إطلاق النار، فيرجّح صافي أن "لبنان لا يقف أمام تسوية فعلية، بل أمام هدنة مفتوحة تستمر إسرائيل في خرقها بصورة منهجية"، مؤكدًا أن "إسرائيل تجاوزت مئات الخروقات منذ بدء الهدنة، في سياق سعيها لاستكمال شروط إقامة منطقة أمنية جنوب الليطاني، مستفيدة من وقف القصف الواسع على بيروت والبقاع كغطاء عملياتي يسمح لها بتثبيت وقائع ميدانية جديدة".

وفي المقابل، يرى أن "حزب الله يعمل على الضغط العسكري المحدود عبر المسيّرات والعمليات الموضعية، بهدف تعديل قواعد الاشتباك ومنع تثبيت المعادلة الأمنية الجديدة التي تسعى إسرائيل إلى فرضها". ومن هنا، فإن المشهد الحالي، وفق صافي، هو صراع بين مشروعين: "مشروع إسرائيلي لاستكمال شروط المنطقة الأمنية، ومحاولة من الحزب لإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يمنع تثبيت هذا الواقع".


وعن التباين الذي ظهر بين موقفي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري بشأن البيان الأميركي الصادر عقب المحادثات الثلاثية في واشنطن، يوضح صافي أن "جوهر الخلاف يتمحور حول تفسير مسألة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".

ويشدد على أن "البيان الأميركي يبقى موقفًا سياسيًا صادرًا عن وزارة الخارجية الأميركية، ولا يرقى إلى مستوى الشرعية القانونية الدولية، إذ إن ميثاق الأمم المتحدة، وتحديدًا المادة 51، يقيّد هذا الحق بشرطي الضرورة والتناسب".

ومن هذا المنطلق، يعتبر أن "السلوك الإسرائيلي الحالي يتجاوز هذين الشرطين بشكل واضح، إذ إن وجود وقف لإطلاق النار يُسقط شرط الضرورة، بينما عمليات جرف المنازل وتدمير البنى السكنية في عشرات القرى الجنوبية تتعارض جذريًا مع مبدأ التناسب. لذلك، فإن أي قراءة قانونية موضوعية لا يمكن أن تمنح إسرائيل شرعية مفتوحة للاستمرار في عملياتها العسكرية".


وفي ملف المفاوضات المباشرة، يتخذ صافي موقفًا واضحًا حين يؤكد أن "لبنان لا يملك عمليًا خيارات أخرى، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الذهاب إلى هذا المسار يجب ألا يكون ارتجاليًا أو تحت الضغط".

فالمفاوضات، برأيه، "تحتاج إلى مرجعية قانونية وسياسية واضحة، وإلى أجندة تفاوضية دقيقة تحدد سقف المطالب اللبنانية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، إعادة انتشار الجيش اللبناني، إعادة السكان إلى قراهم، وحسم النقاط الحدودية العالقةً.

وفي ما خص الحديث عن احتمال عقد لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، قال صافي ل"إيست نيوز" إن "مثل هذا اللقاء، وإن حصل قبل تحقيق تقدم تفاوضي ملموس، قد يثير إشكاليات داخلية كبرى"، معتبرًا أن "أي لقاء من هذا النوع يجب أن يكون تتويجًا لمسار تفاوضي حقق إنجازات فعلية للبنان، لا أن يتحول إلى خطوة رمزية مجانية تسبق تحقيق أي مكسب سياسي أو أمني، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب".


وفي قراءة لافتة لموضوع الخط الأصفر، يربط صافي بين ما يجري في الجنوب اللبناني وبين التحولات العميقة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول 2023.

فبحسب تحليله، "باتت إسرائيل تنظر إلى حدودها الحالية على أنها غير كافية لضمان أمنها، ما يدفعها إلى السعي لإنشاء أحزمة أمنية ممتدة في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا، ضمن تصور عملياتي موحد يعكس تغييرًا جذريًا في استراتيجيتها الدفاعية".

ويحذر من أن الدخول في أي مفاوضات فيما تتمسك إسرائيل بهذا الواقع الميداني "سيعقّد المسار التفاوضي إلى حد بعيد، لأن لبنان لا يستطيع القبول بأي تسوية تتضمن اعترافًا مباشرًا أو ضمنيًا بمنطقة أمنية إسرائيلية داخل أراضيه".

ومن هنا، يشدد على أن "شرط الانسحاب الإسرائيلي الكامل يبقى المدخل الإلزامي لأي تفاهم أمني أو سياسي مقبل".

 أما في ما يتصل بالحديث الإسرائيلي المتكرر عن شرق أوسط جديد، فيضع صافي هذا الطرح في إطار الخطاب السياسي الإسرائيلي الساعي إلى تسويق تحولات إقليمية لم تتكرّس وقائعها بعد.

ويذكّر بأن "بنيامين نتنياهو كرر هذا الشعار في أكثر من محطة، من حرب غزة إلى التطورات السورية، وصولاً إلى الحرب الأخيرة والتصعيد مع إيران"، إلا أن الوقائع، برأيه، لا تشير إلى ولادة شرق أوسط جديد بالمعنى الذي تسوّقه إسرائيل.

ما نشهده، وفق قراءته، ليس إعادة رسم نهائية للخريطة السياسية للمنطقة، بل مرحلة جديدة من إدارة الصراعات قد تمتد لعقد كامل أو أكثر، تُدار خلالها المواجهات وفق قواعد اشتباك مختلفة، ريثما تتضح نتائج التفاهمات الأميركية الإيرانية المحتملة.

إذ يلفت إلى أن "أي حديث جدي عن شرق أوسط جديد يبقى مشروطًا أولاً بإطلاق مسار حقيقي نحو الدولة الفلسطينية، لأن تجاوز هذا المسار يجعل كل الحديث عن نظام إقليمي جديد مجرد سردية سياسية تفتقر إلى الأساس الواقعي".

في ضوء كل ذلك، يبدو لبنان اليوم أمام اختبار مصيري، بين تثبيت مرجعية الدولة في القرار السيادي والانخراط في مسار تفاوضي صعب، ومواجهة مشروع أمني إسرائيلي يسعى لفرض وقائع جديدة على الحدود.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع كل هذا التشابك؛ هل ينجح لبنان في تحويل هذه اللحظة الدقيقة إلى فرصة لاستعادة قراره السيادي وترتيب جنوبه؟ أم أن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الاشتباك تحت قواعد أكثر قسوة وتعقيدًا؟

المنشورات ذات الصلة