عاجل:

هآرتس: ترامب يمدد وقف النار وإيران تبث أن لديها الوقت

  • ١٤

بقلم: تسفي برئيل

التراجع المفاجيء للرئيس ترامب قبل ساعات مما كان يفترض ان يكون “فتح باب الجحيم على ايران”، فسره بانه استجابة لطلب من باكستان. وقال ان ذلك جاء بعد ان اتضح وجود خلافات جوهرية في الرأي في داخل القيادة الايرانية. ظاهريا، منح ترامب القيادة الايرانية مهلة غير محدودة “لتسوية الامور” الداخلية، وصياغة موقف متفق عليه، والعودة باجابة كاملة ومرضية على كل القضايا.

لكن التجارب المتراكمة تظهر أنه من الافضل التعامل بحذر شديد مع أي جدول زمني يصدره البيت الابيض، وكذلك مع الذرائع التي يقدمها الرئيس لتبرير قراراته. ان تاجيل الهجوم الى اجل غير مسمى قد يوحي بان هذا الوضع الراهن قد يستمر لايام أو اسابيع أو حتى أشهر. ولكن مع قيام ايران بشن هجمات والاستيلاء على سفن في الخليج الفارسي، وتفعيل الحصار البحري لمضيق هرمز بموازاة الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة، قد يصدر الاعلان الجديد بسرعة.

ان الخلاف داخل القيادة الايراني ليس بالامر الجديد، بل هو عنصر دائم. يكفي النظر الى قائمة المشاركين في اللقاء الاول في اسلام اباد، الذي شارك فيه وفد ايراني يتكون من 70 عضو، من اجل فهم الصعوبات التي واجهها محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الايراني، الذي يبدو انه مخول باجراء المفاوضات من قبل المرشد الاعلى مجتبنى خامنئي. لم يكن هذا مجرد وفد من المهنيين جاء لاجراء محادثات عملية حول قضايا المشروع النووي والصواريخ ورفع العقوبات واجراءات الملاحة في مضيق هرمز، بل ان قاليباف شكل تحالف سياسي داعم ضم رجال دين واعضاء في البرلمان ومهنيين، مثل محافظ البنك المركزي، عبد الناصر الحماتي، الذي كان من بين اعضاء الحزب الاصلاحي. وقد غاب عن اللقاء معارضون محتملون مثل سعيد جليلي، الخصم السياسي اللدود لقاليباف، والامين العام للمجلس الاعلى للامن القومي محمد باقر ذو القادر، وقائد الحرس الثوري احمد وحيدي. ولكن غيابهم لم يمنعهم من رفع صوتهم وانتقاد رئيس البرلمان، سواء فيما يتعلق باساليب اجراء المفاوضات أو القضايا الاستراتيجية التي كان من المفروض ان تحلها.

ايضا شهدت السنوات الاخيرة خلافات شديدة بين كبار المسؤولين في النظام، التي تم كشفها للعلن. فمثلا، اتهم الرئيس السابق حسن روحاني الحرس الثوري بتقويض الاصلاحات الاقتصادية والسيطرة على اقتصاد البلاد. وصرح وزير الخارجية في حينه جواد ظريف بان قاسم سليماني كان يعرقل المفاوضات التي اجراها حول الاتفاق النووي، وحتى ان محمود احمدي نجاد قطع علاقته مع المرشد الاعلى علي خامنئي لفترة من الزمن، وفي الفترة الاخيرة جاءت انباء عن هجوم قاليباف نفسه على قائد الحرس الثوري وحيدي، واتهمه بتعمد الاضرار بالمفاوضات، بل ومحاولة عزله من منصبه كرئيس للبرلمان.

مع ذلك، اذا كانت مثل هذه الخلافات في السابق يتم حسمها في مكتب خامنئي، الذي كان بحكم سلطته وسيطرته على آلية النظام و”ميزانيته” يحدد النتيجة، فان ايران الان تفتقر الى قائد ذي سلطة. فاللقب الرسمي الذي يحمله خامنئي الابن، الذي بات “قائد غائب”، لا يكفي لثني الخصوم السياسيين. وقد يكون من نتائج ذلك ان الخلاف بين قوى القيادة سيبقى قائما، الامر الذي سيصعب على ايران التوصل الى قرار وتقديم نص متفق عليه على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في ظل غياب قرار سياسي فان الافتراض السائد بأن استمرار الحصار لايران سيجبر القيادة الايرانية على توحيد الصفوف واتخاذ قرار يرضي ترامب، لا يضمن حل سحري. فتاثير الحصار البحري والاقتصادي مهما بلغ من شدته وخنقه، لا يظهر واضحا في يوم واحد، ويتجلى ذلك بوضوح في ظل امتلاك ايران احتياطات مالية كبيرة، وانفتاح طرق استيرادها وتصديرها البرية جزئيا، وامكانية تقديم الصين المساعدة لها استنادا الى اتفاقية التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدولتين.

ايران، التي تعتبر نفسها ناجحة في تحقيق توازن في الردع العسكري مع الولايات المتحدة بعد مهاجمتها لدول الخليج، هددت بالفعل بانه في حالة قصف الولايات المتحدة لمحطات الطاقة في ايران فانها ستقصف ايضا محطات الطاقة وتحلية المياه في دول الخليج لتكون هدف مباشر. واذا استمر الحصار الامريكي، أو في حالة هجوم امريكي، قد تحاول ايران اغلاق مضيق باب المندب قرب اليمن، مع المعرفة بانه لا يوجد ما يضمن امتثال الحوثيين، الذين يجرون “حوار غير رسمي” مع السعودية، لتوجيهات طهران في هذه المرة. مع هذا الكم الكبير من التهديدات قد تفترض ايران ان قدرتها على التفاوض مع الولايات المتحدة لم تستنفد بعد، وأن وضعها في التنافس على القدرة على الامتصاص افضل من وضع الولايات المتحدة. واذا كان ترامب ينوي كسب الوقت اقتصاديا فان ايران لديها ما يكفي من هذا المورد. ايران لا تخفي الاضرار الاقتصادية والخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب، لكنها تستغلها الان لاقناع الرأي العام بـ “عدالة الكفاح” ضد العدو الذي “يسعى الى السيطرة على مواردها الوطنية”.

“لم تكن الانقاض التي سقطت على الطبقة العاملة في ضواحي طهران طوب وحديد فقط، بل خبز وامن وظيفي ومستقبل. والان في ظل وقف اطلاق نار هش، ومع همسات الحرب المتجددة التي تدوي في اذن المدينة، فتحت جراح الاقتصاد العميقة اكثر من أي وقت مضى. ومع هجمات الامبريالية الامريكية وذراعها الاقليمية، اسرائيل، على البنى التحتية الاقتصادية التي تشمل صناعة البتروكيماويات والصلب والمصانع الأم “للفروع المحلية”، بدأت سلسلة الاغلاقات والركود الاقتصادي تتحرك”، هذا الاسلوب الادبي البليغ افتتح به امس مقال سعيد حسام الدين في موقع وكالة انباء “ايلنا” الايرانية العريقة، التي تعنى بالشؤون الاقتصادية وشؤون العمال وحقوقهم، وتخضع لرقابة الحكومة، ولكنها تنشر ايضا قدر كبير من الانتقادات لأدائها.

اثناء جولته في المناطق الصناعية في ضواحي طهران، وصف حسام الدين معاناة العمال الذين تم تسريحهم من العمل بعد اغلاق المصانع بسبب الحرب، وتم حرمانهم من حقوقهم. وقد قال: “الامر المؤلم اكثر هو انه اضافة الى فقدان الامن الوظيفي، الغت الادارة الحقوق التي كان يتمتع بها العمال الباقون مثل وجبة الفطور والغداء والعشاء وحتى خدمة النقل”.

في نفس اليوم قال المتحدث باسم بلدية طهران، عبد الماهر محمد خاني، ان البلدية وفرت اماكن اقامة في 45 فندق لحوالي 6600 من السكان الذين فقدوا بيوتهم في القصف الذي الحق الضرر بحوالي 46 ألف منزل. ولكن المتحدث سارع الى اضافة ان “اعمال اعادة الاعمار تجري بالفعل في حوالي 60 في المئة من المباني. ولم تشر أي تقديرات رسمية دقيقة الى حجم الاضرار الناتجة عن الحرب في ايران، باستثناء التقدير العام الذي نشرته المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني قبل عشرة ايام، والذي افاد بان البلاد تكبدت خسائر مباشرة وغير مباشرة بلغت حوالي 270 مليار دولار”.

ظاهريا، تعتبر المنشورات التي تتناول الوضع الاقتصادي المتردي في ايران، فضلا عن المقالات التي تتناول معاناة ضحايا الحرب، تتعارض مع تطلعات النظام لاظهار “موقف حازم” وقدرة على استيعاب الخسائر، ويتوقع ان تخضع هذه المنشورات للرقابة. مع ذلك فان هذه التقارير غير جديدة. فقد نشرت تقارير مشابهة لسنوات، ليس فقط في وسائل اعلام المعارضة أو في الشبكات الاجتماعية – عندما لم تكن هذه المواقع محظورة – بل ايضا من قبل اعضاء موالين للنظام في البرلمان وخبراء في الاقتصاد ومؤسسات بحث حكومية، وحتى من قبل وزراء في الحكومات.

اذا كانت هذه التقارير تستخدم في “الاوقات العادية” كذخيرة سياسية لمهاجمة الحكومة الحالية، فانها في اوقات الحرب تستخدم كمادة دعائية لاثبات جرائم “الغرب الامبريالي” وتبرير المساومة الشديدة التي يخوضها النظام مع خصومه. وتظهر الاستطلاعات بان غالبية الشعب غير مقتنعة بهذه التفسيرات. مع ذلك عندما يتبنى النظام هذه الرواية فهو بذلك يحولها الى عنصر مهم في المفاوضات، يلزمه بتحقيق انجازات ملموسة للشعب.

المنشورات ذات الصلة