عاجل:

"هآرتس": نفاد صبر الأوروبيين تجاه إسرائيل..

  • ١٦

بقلم: ليزا روزوفسكي

في الأسبوع الماضي أصبحت صورة غلاف مجلة "لاسبرسو" الإيطالية المشهورة حلقة جديدة في سلسلة أحداث دبلوماسية تنذر بأزمة في العلاقات بين إسرائيل وإحدى أكبر دول أوروبا وأكثرها ودية تجاهها.

تظهر الصورة شاباً له شعر مستعار طويل ويرتدي زياً عسكرياً ويحمل بندقية وهو يبتسم عند التقاطه صورة لامرأة ترتدي الحجاب، ويبدو القلق على وجهها. يظهر الاثنان على خلفية شجرة وغطاء نباتي وتلة.

تبدو ملامح وجه الشخص وتعابيره وكأنها مأخوذة من رسم كاريكاتيري لاسامي. سارع السفير الإسرائيلي في إيطاليا، يونتان بيلد، إلى إدانة هذه الصورة على الغلاف ووصفها بأنها "تلاعبية"، وغرد: "الصورة تشوه الواقع المعقد الذي تجبر إسرائيل على التعايش معه، وتروج للصور النمطية والكراهية.

يجب أن تكون الصحافة المسؤولية متزنة وعادية". نائب رئيس تحرير المجلة رد على هذه الادعاءات بمقال لاذع يمكن تلخيصه بتعبير مجازي بعبارة "نحن فقط نضع المرآة أمامكم". انتشر هذا الرد بشكل واسع مرفقاً بصورة الغلاف.

في الوقت ذاته ازداد التوتر على الصعيد السياسي. فبعد أسبوعين على زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ملينو، التي أصبحت أول زعيمة أوروبية تزور دول الخليج أثناء الحرب، وصل وزير خارجية إيطاليا، أنطونيو تياني، لزيارة في بيروت، بما ذلك وسط بيروت دون سابق إنذار.

موجة الهجمات التي سميت في إسرائيل "ظلاماً أبدياً" حصلت في العالم على اسم "الأربعاء الاسود".

وحسب الجيش الاسرائيلي قتل 250 مقاتلاً من "حزب الله" في هذه الهجمات، وبلغ عدد الضحايا حسب وزارة الخارجية اللبنانية 357 قتيلاً إضافة إلى مئات المصابين.

قبل ساعات على زيارة تياني في لبنان تحدث معه وزير الخارجية، جدعون ساعر، في محاولة لاستباق الضربة.

وحسب بيان ساعر فإنه قال في المحادثة: "في هذا الهجوم الناجح تم القضاء على أكثر من 200 إرهابي من حزب الله، مع بذل جهد لتقليل الأضرار بالأبرياء". حاول ساعر شرح أسباب معارضة إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان لتياني وقال: "إن إعطاء إيران موقفاً لتحديد موعد وقف إطلاق النار في لبنان هو خطأ كبير لن يؤدي إلا إلى تعزيز قبضتها في لبنان".

وبعد ثلاثة أيام على المحادثة حصلت ايران على ما أرادت. ولكن محاولة شرح الأمر لتياني فشلت قبل ذلك.

بعد وصوله إلى بيروت غرد تياني بأنه جاء من أجل التعبير عن تضامنه مع المدنيين في مواجهة "الهجمات الإسرائيلية غير المقبولة على السكان المدنيين".

في المساء ذاته تم استدعاء السفير الإيطالي في إسرائيل، لوكا فيراري، لوزارة الخارجية وتم إبلاغه بأن الأغلبية الساحقة من المصابين في الطرف اللبناني كانوا إرهابيين، وتم التأكيد على معاناة سكان شمال إسرائيل.

في اليوم التالي علقت ملينو مذكرة التفاهم بين إيطاليا وإسرائيل.

وأوضح مصدر في إيطاليا أن هذا استمرارية للسياسة التي تبنتها الحكومة عملياً منذ المراحل الأولى للحرب في غزة، التي تتمثل بعدم بيع السلاح لإسرائيل.

وقال أرتورو فيرفيلي، رئيس فرع روما لمعهد أبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لـ "هآرتس": "هذه الخطوة رمزية أكثر مما هي ملموسة، ولكنها تشير إلى أن إيطاليا تعتبر هذا السلوك غير مقبول، وأقصد هنا بالدرجة الأولى الضغط الذي تستخدمه إسرائيل برئاسة حكومة نتنياهو على قوة اليونفيل. فالحكومة الإيطالية لا تعتبر أحداث الجيش ضد اليونفيل حوادث عرضية".

إيطاليا هي الدولة التي تساهم بالعدد الأكبر من القوات في اليونفيل، أكثر من 700 جندي، لكن فيرفيلي أشار إلى أسباب أخرى مهمة لتغيير اللهجة تجاه إسرائيل: "تؤثر الحرب في إيران سلباً على اقتصاد إيطاليا، الذي يعتمد بشكل كبير على الوقود من الخليج، لا سيما الغاز الطبيعي من قطر. وهي أيضاً تجبر ميلينو على تمييز نفسها بشكل أكبر عن ترامب ونتنياهو في مواجهة الرأي العام المحلي.

إن خسارة إيطاليا في استفتاء أجري في نهاية الشهر الماضي بشأن تعديل النظام القضائي الذي سعت الحكومة لترويجه، تجعلها أكثر يقظة لمشاعر الشعب. ويظهر الرأي العام الإيطالي انتقاداً شديداً لإسرائيل، وهو شعور نما في ظل الحرب في قطاع غزة ويزداد على خلفية ما يحدث في الضفة الغربية ولبنان.

الإهانة كنهج دبلوماسي

اندلعت الأزمة مع إيطاليا في الأسبوع الذي خسر فيه نتنياهو وحكومته أقرب الحلفاء في أوروبا، فيكتور أوربان، الذي خسر الانتخابات في المجر.

وفي الأسبوع ذاته صرح فريدريك ميرتس، المستشار الألماني، زعيم أكبر حلفاء إسرائيل في أوروبا، في محادثة مع نتنياهو بأنه يقلق جداً بشأن الوضع في الضفة الغربية، وأوضح أنه "لا يجب أن يكون هناك ضم فعلي".

بل غرد ذلك على حسابه الرسمي. لم يتأخر رد الوزير المسؤول عن التطهير العرقي في الضفة، بتسلئيل سموتريتش، حيث خاطب ميرتس بالانجليزية وطلب منه الاعتذار ألف مرة باسم ألمانيا بدلاً من إلقاء المحاضرات علينا حول كيفية التعامل مع النازيين في جيلنا.

وختم حديثه بالقول إن "الألمان لن يحبسونا في غيتوات مرة أخرى، وبالتأكيد ليس على أرضنا".

في الوقت ذاته قام سفير إسرائيل في واشنطن، يحيئيل لايتر، كما يبدو بمباركة البيت الأبيض، بإهانة فرنسا ووصفها بـ "تأثير غير إيجابي"، وأكد على أن الهدف هو منع الفرنسيين من الاقتراب من المفاوضات مع لبنان.

يتبين في مجالات كثيرة ازدياد الانفصال عن الدول الأوروبية التي تنتقد إسرائيل بشكل واضح مثل إيرلندا وإسبانيا.

وازدياد التوتر مع الدول التي تعتبر صديقتها مثل ألمانيا وأيطاليا، أو الدول التي توقفت إسرائيل رسمياً عن اعتبارها صديقة مثل فرنسا.

من عدم الأمن الذي يشعر به السياح الإسرائيليون في أوروبا إلى الصعوبات التي تواجهها المؤسسة الأمنية في استيراد السلاح، تعتبر بروكسيل الساحة الأكثر حساسية التي يمكن أن يظهر فيها بوضوح تدهور العلاقات.

فسن قانون عقوبة الإعدام المخصص للفلسطينيين فقط، والحرب مع إيران التي تجد انتقادات واسعة في أوروبا، والأضرار الكبيرة التي تلحق بالمدنيين في لبنان، وتصاعد العنف في الضفة الغربية وعدم التوصل إلى حل للأزمة في غزة، كل ذلك عوامل تفاقم نفاد صبر الأوروبيين تجاه إسرائيل.

هناك خطوات تبدو شبه مؤكدة: يتوقع أن يؤدي إلغاء حق النقد التلقائي للمجر للإجراءات التي تحتاج إلى قرار بالإجماع في المستقبل القريب، إلى توسيع نطاق عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد المستوطنين العنيفين والجمعيات اليمينية المتطرفة. حتى الآن وافق الاتحاد الأوروبي على رزمتين من العقوبات ضد تسعة إسرائيليين، من بينهم اليشيع يارد ويانون ليفي وبنتسي غوفشتاين، وخمس جمعيات متطرفة، من بينها لاهافاه وتساف 9، لكن منذ 2024 عرقلت بودابست محاولة توسيع القائمة. وقد صرح رئيس المجر المنتخب، بيتر ماغيار، بأن بلاده ستلغي حق النقد التلقائي في ظل حكمه، وستفحص كل حالة على حدة. ويتوقع أن تطرح هذه القضية على جدول الأعمال بعد تغيير الحكومة في المجر.

لكن مشكلات إسرائيل في الاتحاد الأوروبي أوسع بكثير. فإسرائيل تخوض معركة طويلة لاحتواء التعليق الجزئي لاتفاق الشراكة بين إسرائيل والاتحاد، والتي يتوقع أن تتصاعد.

وقد لوح الاتحاد الأوروبي بخطر تعليق الشراكة في ربيع وصيف السنة الماضية، حيث كانت أزمة الجوع في غزة في ذروتها.

لم يتم تنفيذ التهديد ولكنه لم يتم إلغاؤه رسمياً حتى بعد دخول وقف إطلاق النار في غزة إلى حيز التنفيذ.

وخلافاً لفرض العقوبات فإن تعليق أجزاء من اتفاق الشراكة – مثلاً تعليق اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد وإسرائيل ووقف التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا، وهو المجال المهم جداً للبحث والتطوير في إسرائيل – لا يحتاج إلى إجماع، بل يحتاج إلى أغلبية.

وتعتبر ألمانيا وإيطاليا - الدولتان الكبيرتان من حيث عدد السكان واللتان حرصتا على عرقلة أي خطوات ضد إسرائيل – حاسمتين بشكل خاص للحصول على هذه الأغلبية. ومثلما لوحت ميلينو لإسرائيل فإن الحصانة ليست إلى الأبد.

في إسرائيل يتم الاعتقاد أنه من السابق لأوانه الإشادة بالعلاقة مع إيطاليا ودعمها. وفي الوقت ذاته يشير البعض في إسرائيل إلى أخطاء كبيرة في النهج الدعائي الذي يتبناه وزير الخارجية ساعر وغيره، سواء تجاه الرأي العام في أوروبا وفي العالم أو تجاه متخذي القرارات: حيث يكتفي بتكرار رواية دفاعية بدلاً من الاعتراف بالأخطاء، ويتجاهل حقائق واضحة للعيان بدلاً من الإقرار بها.

مثلاً، تشير مصادر في إسرائيل إلى أنه كان من الجدير لو أنهم اعتذروا عن قتل الأبرياء في لبنان ووعدوا ببذل الجهد للحد من الخسائر في الأرواح في القتال، وتوجيه الحوار مع إيطاليا، التي تربطها علاقة وثيقة بالطوائف المسيحية في لبنان نحو مسار أكثر إيجابية.

ولا تساهم تصريحات مسؤولين رفيعي المستوى في إسرائيل مثل وزير الدفاع يسرائيل كاتس، حول هدم القرى في لبنان وتلميحات سموتريتش بنية ضم أراضٍ في لبنان وسورية وغزة، في دعم الحوار مع أوروبا.

هناك خطر آخر تم تشخيصه في إسرائيل وهو عدم إدراج إسرائيل في برنامج "أفق أوروبا" للمتابعة في الأعوام 2028 – 2034. ولن يتطلب إبعادها من قائمة الدول المرشحة للمشاركة في هذا البرنامج إلى أغلبية كبيرة، خلافاً لوقف التعاون مع الجامعات أو الشركات الناشئة في إسرائيل، وهي خطوة تم التطرق إليها في الاتحاد الأوروبي، والتي عرقلتها إيطاليا وألمانيا في تموز الماضي.

في هذه المرحلة لا ترى إسرائيل أي نية للعناصر المهنية أو السياسية في الاتحاد الأوروبي لفعل ذلك. ولكنها لا تستخف بهذه المسألة.

وتشن منظمات مؤيدة للفلسطينيين حملة مركزة تشمل تظاهرات في بروكسل ضد إدراج إسرائيل في برنامج العلوم والتكنولوجيا.

إضافة إلى ذلك بلغ عدد التوقيعات على عريضة تطالب بتعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل مليون توقيع من مواطني الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، وهذا عدد يلزم المفوضية الأوروبية حسب القانون بالنظر في هذه المسألة.

المنشورات ذات الصلة