عاجل:

حين تتحوّل أزمة الطاقة العالمية إلى فاتورة يومية في لبنان: تضخّم يلتهم القدرة الشرائية بلا حماية محلية

  • ٥٣
لم يعد ارتفاع أسعار الطاقة تفصيلاً اقتصادياً يُقرأ في تقارير الأسواق أو بيانات التداول العالمية، بل تحوّل في لبنان إلى عبء يومي مباشر يطال تفاصيل الحياة المعيشية من أدقّها إلى أكثرها حساسية. من صفيحة البنزين إلى كلفة النقل، ومن فاتورة المولدات إلى أسعار المواد الغذائية، تتكرّس أزمة مركّبة تضغط على ما تبقّى من القدرة الشرائية لدى اللبنانيين.

التطوّرات الإقليمية المتسارعة، وما رافقها من مخاوف جدية على استقرار إمدادات النفط والغاز، أعادت وضع أسواق الطاقة في حالة من التقلّب الحاد. هذا الارتفاع لم يبقَ محصوراً في المؤشّرات الدولية، بل انسحب سريعاً على الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدّمها لبنان، الذي لا يملك أي هامش فعلي لعزل نفسه عن تقلبات الخارج.

انعكاسات تتجاوز حدود المحروقات

الانعكاس المباشر كان في أسعار المحروقات، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً انعكس فوراً على كلفة النقل والخدمات. ومع استمرار الاعتماد الواسع على المولدات الخاصة، نتيجة ضعف التغذية الكهربائية، بات ارتفاع أسعار المازوت جزءاً إضافياً من عبء يومي تتكبّده الأسر اللبنانية.

غير أن الصورة لا تتوقّف هنا. فارتفاع كلفة الطاقة يمتدّ إلى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، بدءاً من الصناعة مروراً بالنقل وصولاً إلى الغذاء، ما يفتح الباب أمام موجة تضخّم جديدة، في ظل غياب أدوات ضبط فعّالة قادرة على احتواء الانفلات في الأسواق.

أزمة عالمية تنعكس محلياً بلا هوامش حماية

وفي هذا السياق، يؤكّد مصدر رسمي في وزارة الطاقة والمياه لـ "إيست نيوز" أن “الأزمة الحالية ذات طابع عالمي ولا تقتصر على لبنان”، مُشدّداً على أنه “لا توجد مخاوف على مُستوى توافر المحروقات حتى في حال تصاعد التوتّرات الإقليمية، بما فيها أي تطوّرات مُحتملة في مضيق هرمز، طالما أن حركة الملاحة البحرية لا تزال مفتوحة”.

ويضيف المصدر أن “استمرار وصول البواخر إلى لبنان بشكل طبيعي، حتى خلال فترات التوتّر، يؤكد أن المشكلة ليست في الإمدادات بل في الأسعار”، لافتاً إلى أن “كلفة المحروقات تبقى مرتبطة مباشرة بالتقلبات في الأسواق العالمية”.

ويشدّد المصدر على أن “الدولة لا تملك حالياً القدرة على دعم أسعار المحروقات، خصوصاً أن التجارب السابقة أثبتت أن الدعم شكّل عبئاً ثقيلاً على الخزينة العامّة، وكان من أبرز مصادر الهدر والفساد، ما ساهم في تعميق الأزمة المالية والإقتصادية”.

الطاقة البديلة: مسار قائم لكن غير مكتمل

وفي ما يتعلّق بخيارات البدائل، يشير المصدر إلى أن “التوجّه نحو الطاقة المتجددة، ولا سيّما الطاقة الشمسية، بات خياراً استراتيجياً، لكنه لا يزال غير قادر على الحلول مكان المحروقات في المدى المنظور”.

ويكشف أن “وزير الطاقة والمياه جو صدّي، منذ تسلّمه مهامه، باشر التواصل مع حاملي 11 رخصة كانت قد مُنحت بقرار من مجلس الوزراء عام 2022، لكنها بقيت مجمّدة في الأدراج لسنوات، حيث أعيد فتح هذا الملف وبدأ العمل على تفعيله بالتنسيق مع أصحاب العلاقة، ولا يزال هذا المسار مُستمرّاً حتى اليوم“.

كما يوضح أن “الوزارة تعمل على إعادة تفعيل هذه المشاريع أو نقلها إلى مُستثمرين قادرين على تنفيذها، في محاولة لتحريك ملف الطاقة المُتجدّدة الذي بقي لسنوات في دائرة التعطيل.“

ويُضيف المصدر أن “هناك اهتماماً دولياً وخليجياً متزايداً بدعم مشاريع الطاقة الشمسية في لبنان، إلى جانب تمويلات قيد البحث، ما قد يفتح نافذة محدودة لتحسين البنية الطاقوية تدريجياً.“

مشهد اقتصادي مفتوح على مزيد من الضغوط

في ظلّ استمرار التوتّرات الإقليمية، تبقى أسواق الطاقة عرضة لتقلّبات مُتلاحقة، فيما يفتقر لبنان إلى أدوات حماية فعّالة تمكّنه من امتصاص الصدمات الخارجية. وبين ارتفاع الكلفة وتراجع القدرة الشرائية، يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع أزمة لا يملك القدرة على التأثير في مسارها.

لم تعد أزمة الطاقة في لبنان تفصيلاً مُرتبطاً بتقلبات الخارج، بل تحوّلت إلى عامل بنيوي يعيد صياغة الحياة المعيشية برمّتها. وبين إدارة يومية تكتفي بامتصاص الصدمات، وغياب أي مسار إصلاحي قادر على كسر الحلقة المُتكرّرة، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من الضغوط، فيما تتقدّم كلفة العيش على أي استقرار، ويظلّ المواطن في قلب أزمة تتجاوز قدرته على الاحتمال.
المنشورات ذات الصلة