بقلم: يوآف ليمور
وقف النار، الذي فرض على إسرائيل في لبنان، استمرارا لوقف النار الذي فرض عليها في ايران، استمرارا لوقف النار الذي فرض عليها في غزة، يضعها في وضع إشكالي تفشل فيه مرة أخرى في جني الأرباح من الإنجازات العملياتية الكثيرة للجيش الإسرائيلي، لتحولها إلى نتيجة استراتيجية.
عمليا، بعد 925 يوماً من القتال منذ 7 تشرين الأول، لم تنجح إسرائيل في حسم أي جبهة. تقف "حماس" على قدميها، وتنشغل بإعادة بناء متسارعة، ونجا "حزب الله" من معركة قاسية وتهديدات عابثة بالإبادة، وقد تخرج إيران من المعركة وهي أقوى مما كانت في الماضي. صحيح أن إسرائيل ضربت الثلاثة بشدة (بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن أيضا)، لكن في نهاية المعركة تبيّن أن شؤونها لا تحسم في القدس، بل في واشنطن.
في خطاب ألقاه بنيامين نتنياهو في الكنيست، حين كان في المعارضة، ادعى بأن رئيس الوزراء في إسرائيل يختبر في أمر واحد ووحيد: في قدرته على أن يقول "لا" لرئيس الولايات المتحدة. لكنه فشل في الاختبار العملي حيال دونالد ترامب نتنياهو.
تغريدة الرئيس الأميركي، يوم الجمعة، التي قال فيها انه يمنع إسرائيل من الهجوم في لبنان – بأحرف بارزة – لم يكن فقط أمرا بالتنفيذ: كان إهانة علنية وضربة شديدة للعظمة والردع الإسرائيليين.
ترامب، كما يترك الانطباع، تعب من الحروب. وهو يبحث عن مخرج سريع وسلس، قبل أن يجر إليها مرة أخرى. أما في ايران وان كانت توجد فجوة بين تغريداته المتفائلة وبين الواقع عمليا والذي أغلق فيه مضيق هرمز، أول من امس، مرة أخرى بعد يوم من فتحه، لكن حتى المصادر المطلعة في إسرائيل على المحادثات تعتقد أن مجال التوافقات بين الطرفين اكبر في هذه اللحظة من مجال الخلافات. وعلى حد قولهم، يخيل انه في موضوع الصواريخ وتقديم المساعدات للوكلاء ستبقى إسرائيل بدون طموحاتها؛ عليها أن تتأكد انه بحماسة الولايات المتحدة لا توافق على تنازلات خطيرة في مسألة النووي، سواء في سياق إخراج اليورانيوم المخصب إلى مستوى عالٍ أم في قدرتها على العودة للتخصيب في المستقبل المنظور.
الإحباط في الشمال
في لبنان، الأمور معقدة بقدر لا يقل. فقد قيدت إسرائيل في العمل في جنوب لبنان وحتى لأهداف الدفاع فقط عن أمن القوات. هذه وصفة مؤكدة لعمليات مضادة ومصابين، ولإحباط متزايد لدى سكان الشمال الذين، مرة أخرى، يجدون أنفسهم يواجهون وعودا لم تنفذ عن "المعركة الأخيرة" التي لن تنتهي "حتى الحسم". غير أنه بخلاف غزة، التي لم يتحقق فيها أيضا "النصر المطلق" الموعود، يقف الشمال أمام انهيار: الثقة التي تحطمت في المسألة الأمنية والتخلي التام في الجانب المدني هما وصفة مؤكدة لتسريع ميل الهجران، الذي من شأنه أن يهزم المنطقة.
إن المخرج الوحيد من هذه الورطة هو من خلال اتفاق مع لبنان. في الطريق له يوجد غير قليل من الألغام أساسها قدرة حكومة لبنان الصغيرة إن لم تكن غير الموجودة لأن تفي بالتعهدات التي ستقطعها على نفسها. فقد سبق للرئيس اللبناني أن وجد نفسه مهددا من "حزب االله" من أجل ألا يتحدث مع إسرائيل، فيما الرسالة الخفية تلمح صراحة بتصفية رفيق الحريري وبماضي عائلة الجميل.
في الخلفية، تنبش أيضا ايران فيما يجري في لبنان، حاليا بنجاح لا بأس به: فبعد أن فصلت إسرائيل في الماضي بين الجبهات نجدها، الآن، وحدت من جديد – فشل استراتيجي آخر لإسرائيل.
الطريق للإصلاح
تضع جملة الأمور هذه إسرائيل في موقف غير مريح في بداية سنتها الـ 79. ظاهرا تتباهى بكونها قوة عظمى إقليمية، بل ربما عالمية مثلما ادعى نتنياهو. أما عملياً فهي تجعل نفسها دولة برعاية أميركية. فقد احتفلت الشبكة بذلك في نهاية الأسبوع، وادعت بأن على إسرائيل أن تحتفل باستقلالها في 4 تموز. هذا مبالغ فيه بالطبع، ومع ذلك من الأفضل لها أن تتوقف كي تعيد احتساب المسار من جديد.
وضع تنبش فيه قطر وتركيا في غزة، "حزب الله" منيع في لبنان، ايران منيعة، قطر منيعة ومعظم الجمهور في العالم – بما في ذلك في الولايات المتحدة – معادٍ لإسرائيل، هو وضع إشكالي جدا وبالتأكيد حين يدخل ترامب قريبا إلى حملة انتخابات أخرى تؤشر إلى ما سيكون عليه النصف الثاني والأخير له في البيت الأبيض.
تبدأ الطريق لإصلاح هذا في داخل البيت. عشية يوم الذكرى مع العدد الذي لا يطاق للضحايا الذي أُضيف إليه، أول من امس، اسم آخر لمقاتل قتل في لبنان، مطلوب ترتيب الأمور كما ينبغي: من يخدم قبل من لا يخدم، من يسكن في مجالات الحدود قبل من لا يسكن فيها، من هو مع الجماعة قبل من ليس معها. هكذا ببساطة.