كَتَبَ رامي الأحمدية
اعتبر الكاتب غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" أن الأفراد عندما ينضمون إلى الحشود يفقدون جزءًا كبيرًا من عقلانيتهم واستقلالهم النقدي، ويتحول سلوكهم إلى سلوك عاطفي واندفاعي تحكمه العدوى النفسية أكثر من التفكير العقلاني.
ومع دخول لبنان في هدنة أبعدت شبح الحرب الضروس التي حطت برحاها على الوطن، ومع الحديث عن توجه لدى الدولة اللبنانية ومن خلفها بعض الأحزاب ومن يناصرهم، الذين يرون في السلام فرصة لقيامة الوطن، تبرز وجهة نظر معاكسة تعتبر أن ما يتم الحديث عنه هو نوع من الخيانة، كون الصراع مع إسرائيل بات من صلب العقيدة التي نشأوا عليها.
بين هذين الخطابين يسعى كل طرف إلى إقناع الآخر في أحسن الأحوال، وتخوينه في كثير من الأحيان، حتى بات البحث عن أرضية مشتركة، لتعيد الجميع إلى طاولة تقبل الرأي الآخر أمراً ضرورياً.
تكمن الحقيقة بالمعرفة المجردة، وتُستقى الدروس من التاريخ والتجارب البشرية. فمع بدء صعود الديمقراطية في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، ظهرت حركة السفسطائيين، وهم معلمون متنقلون يعلمون فن الخطابة مقابل أجر. ومن أبرزهم بروتاغوراس الذي اشتهر بقوله إن "الإنسان مقياس كل شيء".
ركزت هذه الحركة على أن الحقيقة قد تختلف من شخص إلى آخر، وأعطوا أهمية لربح النقاش أكثر من الحقيقة نفسها. إلا أن القرن الرابع قبل الميلاد شهد تراجع السفسطائيين أمام صعود مدارس فلسفية مثل أفلاطون وأرسطو، التي سعت إلى تأسيس مفهوم أكثر ثباتاً للحقيقة والمنطق.
ومع التطور التكنولوجي الحاصل، باتت الخوارزميات المستخدمة في وسائل التواصل الاجتماعي، محركات البحث، والذكاء الاصطناعي تؤدي دور السفسطائيين ذاته، لكن بأسلوب مختلف وأكثر خطورة وتعقيد، مقابل مكسب مادي أكبر بكثير من مجرد أجر.
فالسفسطائي كان يُقنع بالحجة، أما الخوارزميات لا تحتاج إلى الإقناع حتى، فهي تغذي فكرة اختلاف الحقيقة من شخص إلى آخر حتى تبدو أفكار كل شخص بديهية له قبل أن يملك فرصة التشكيك بها.
أصبح الوعي يتكون من الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي، بالإضافة إلى بيئة رقمية لا تعكس الواقع كما هو، بل تقدمه بصورة مفلترة يُعاد تشكيلها وتخصيصها حسب توجهات كل فرد، فشركات التكنولوجيا الكبرى وكذلك أدوات الذكاء الاصطناعي، لا تعرض الحقائق كاملة، بل نسخة منتقاة منها تتوافق مع سلوك كل مستخدم وتفضيلاته السابقة.
والهدف الأساسي من ذلك، هو تحقيق مردود مادي أعلى عبر إبقاء المستخدم في حالة تفاعل مستمر، ليولّد لتلك الشركات بيانات أكثر وإيرادات أعلى.
يجعل هذا "التخصيص" البيئة المعرفية مغلقة نسبيًا، تماماً كالمجتمع المغلق الذي تعيش فيه كل فئة، فتتعزز فيها القناعات الحالية ويقل فيها الاحتكاك بالأفكار المختلفة، دون أن يشعر الإنسان بذلك مباشرة.
من أوضح الأمثلة على ذلك؛ الدراسات التي أجريت حول آلية "rabbit hole" على يوتيوب، حيث يبدأ المستخدم بمشاهدة مقطع معيّن، فتقوده الخوارزمية تدريجيًا نحو محتوى أكثر تطرفًا في الاتجاه ذاته. كما كشفت أبحاث حول TikTok أنه قادر على التعرف على الحالة النفسية للمستخدم من نمط تصفحه، وتعديل المحتوى المعروض عليه وفقاً لذلك. لا تهدف هذه الآليات والخوارزميات إلى خدمة المستخدم، بل لإبقائه في حالة تفاعل مستمر، فالمحتوى المثير الذي يؤكد وجهة النظر، ولا يناقضها لتبيان الحقائق، يساهم في بقاء المستخدم متصلًا لفترة أطول.
تشبه بذلك المعرفة الرقمية إذاً تلك الاجتماعية بكونها مغلقة نسبياً، وتعيش كل مجموعة داخل فقاعة المعلومات المخصصة لها حسب التوجهات، لتصبح الحقيقة نسبية ومتغيَرة من بيئة إلى أخرى ومن فرد إلى آخر. ومع ذلك، لا تختفي الحرية في العصر الرقمي، لكن تتغير طبيعتها.
في الماضي كان التحدي هو الوصول إلى المعرفة، أما اليوم هو مواجهة وفرة المعرفة الموجهة. فالإنسان يفقد جزءاً من حريته عندما يُحرم من الاختيار، والجزء الآخر عندما تُبنى خياراته بطريقة غير مرئية تجعله يظن أنها طبيعية بالكامل. بالتالي، لا تمنع الخوارزميات الإنسان من التفكير، لكنها تقلل الحاجة إلى التفكير النقدي المستمر، وهنا يبدأ التراجع التدريجي للوعي.
إن الوعي بالخوارزميات الاجتماعية والرقمية يعتبر شرطًا أساسيًا للحفاظ على الحرية والاستقلال الفكري، عبر إدراك أن ما يُعرض ليس الحقيقة الكاملة، بل جزء مخصص منها. والحل لهذه المعضلة لا يكون داخل المنظومة نفسها، بل عبر بناء حياة فكرية لها جذور خارجها: قراءة عميقة تتطلب الصبر، حوارات مباشرة تتحمل الاختلاف، وتجارب لا تُقاس بالتفاعل الاجتماعي أو الرقمي. فعندما يبحث أي شخص عن "مصادر متنوعة" عبر نفس البيئة أو المجتمع الذي يشاركه نفس الآراء، أو عبر الوسائط التكنولوجية فقط، يبقى داخل نظام يرتّب النتائج وفق منطقه الخاص. لذلك فالمخرج الحقيقي ليس مجرد "تنويع المصادر" داخل المنظومة نفسها، بل بناء أرضية فكرية مستقلة خارجها.
يشير الفيلسوف هاري فرانكفورت، أن الإنسان لا يتميز عن سائر الكائنات بامتلاك رغبات، بل بأنه يمتلك رغبات حول رغباته. أي أنه لا يسأل فقط "ماذا أريد؟" بل "هل أريد أن أريد هذا؟". وهذا ما سماه "الرغبة من الدرجة الثانية" أي أن تتأمل دوافعك بدلًا من الانقياد لها. تساهم التكنولوجيا في محاصرة هذه القدرة من خلال تصميم بيئة تُشبع الرغبات الآنية باستمرار، فلا يجد الإنسان سببًا كافيًا للتوقف والتساؤل. وبالمحصلة، لا تسرق الخوارزميات حرية الإنسان، بل تجعل ممارستها أقل إلحاحًا وأقل وضوحًا.
ومع إدراك أن المعلومات والبيانات التي تردنا ليست محايدة، يجب أن يتحول الوعي من قناعات راسخة إلى ممارسات نقدية مستمرة، تعيد للإنسان مسافة بينه وبين ما يُعرض عليه. وهكذا، لا تُفهم الحرية كحالة ثابتة، بل كممارسة واعية داخل بيئة مصممة لتبدو طبيعية، ليصبح تقبل الرأي الآخر فرصة حقيقية للالتقاء والتقدم، على أمل أن تحل حكمة أفلاطون وواقعية أرسطو مكان السفسطائية التي نعيشها في وطن أنهكته الصراعات والاختلافات.
×