عاجل:

تركيا تراهن على السياسات المالية بدلاً من رفع الفائدة

  • ٢٣

تتجه الأنظار إلى السياسة النقدية في تركيا، خاصة مع تزايد التساؤلات حول مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، في ظل التطورات الاقتصادية العالمية والتقلبات المرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

وقال الخبير في الاقتصاد التركي أحمد الزيات: إن التصريحات الأخيرة لنائبة محافظ البنك المركزي التركي تحمل رسالة واضحة بعدم الاتجاه نحو رفع أسعار الفائدة، على الأقل خلال الربع الثاني من عام 2026، ما يمثل عودة سياسة اتبعها المركزي بضغط من الرئيس رجب طيب أردوغان في ولايته الرئاسية السابقة، وتخلى عنها بعد فوزه بولاية جديدة في انتخابات 2023.

وأوضح الزيات أن هذه الرؤية تستند إلى طبيعة التضخم الحالي، الذي لا يُعزى إلى زيادة الطلب في السوق، بل إلى عوامل خارجية، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب والتصعيد الدولي.

وأشار الزيات إلى أن رفع أسعار الفائدة في هذا التوقيت قد يؤدي إلى نتائج عكسية، في ظل وصول سعر الفائدة في تركيا إلى نحو 37%، وهو من بين أعلى المعدلات عالمياً، مقابل معدل تضخم يبلغ نحو 30.5%.

وأضاف: إن أي زيادة إضافية في الفائدة ستؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكلفة التمويل على الشركات، ما قد يضغط على الاستثمارات ويؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن الحكومة التركية والبنك المركزي تدخلا خلال الفترة الماضية لدعم العملة المحلية بأكثر من 28 مليار دولار منذ بداية الأزمة، وهو ما ساهم في استقرار سعر الصرف نسبياً، حيث لم تتجاوز نسبة التراجع في العملة أقل من 0.5%، وهو ما اعتبره مؤشراً إيجابياً ساعد في الحد من تسارع ارتفاع الأسعار.

وفيما يتعلق بآليات مواجهة التضخم، أوضح الزيات أن التركيز سيكون على دعم العملة كأولوية، إلى جانب تبني سياسات مالية أكثر تشدداً بدلاً من تشديد السياسة النقدية.

وأشار إلى أن الحكومة قد تتجه إلى تقليص الإنفاق على بعض المشاريع الجديدة، واتباع نهج تقشفي نسبي، مع العمل على زيادة الإيرادات الضريبية دون اللجوء إلى رفع الضرائب بشكل مباشر، بل عبر تحسين كفاءة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية.

وأكد أن التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد التركي يتمثل في قطاع الطاقة، حيث تعتمد تركيا على استيراد أكثر من 90% من احتياجاتها من الطاقة، ما يضع ضغوطاً كبيرة على الميزان التجاري، خاصة مع ارتفاع الأسعار العالمية، والتي قد ترفع فاتورة الاستيراد إلى نحو 100 مليار دولار سنوياً.

وأضاف: إن الحكومة اضطرت إلى استخدام جزء من احتياطيات الذهب لتوفير السيولة الدولارية اللازمة لاستيراد النفط والغاز.

وحول مستقبل تدخلات البنك المركزي، أشار الزيات إلى أن حجم التدخل سيظل مرتبطاً بمستويات أسعار النفط العالمية، موضحاً أنه في حال استقرار الأسعار دون مستويات 110 إلى 120 دولاراً للبرميل، قد لا تكون هناك حاجة لتدخلات كبيرة إضافية. أما في حال ارتفاعها إلى مستويات أعلى، فقد تلجأ السلطات إلى مزيد من التدخل، بما في ذلك بيع جزء إضافي من الاحتياطيات أو الذهب، لدعم العملة.

وتابع: إن حالة عدم اليقين العالمية، المرتبطة بتقلبات الأسواق والتصريحات السياسية الدولية، تجعل من الصعب التنبؤ بالمسار الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن الاقتصادات الناشئة، ومنها تركيا، تعد الأكثر تأثراً بهذه التقلبات، خاصة في ظل اعتمادها على تدفقات "الأموال الساخنة"، التي تتأثر بشكل مباشر بأي تغييرات في أسعار الفائدة الأميركية.

وأوضح أن أي رفع في الفائدة الأميركية قد يدفع هذه التدفقات إلى الخروج من السوق التركية والتوجه نحو السندات الأميركية، ما يشكل ضغطاً إضافياً على الليرة.

وأكد أن الحفاظ على استقرار سعر الصرف يمثل أولوية قصوى، نظراً لتأثيره المباشر على مستويات التضخم، حيث يؤدي تراجع العملة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة ومن ثم زيادة التضخم.

وأشار الزيات إلى أن جزءاً من آثار ارتفاع التكاليف العالمية لم ينعكس بالكامل بعد على الأسواق المحلية، متوقعاً أن تظهر تداعيات ارتفاع تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية خلال الأشهر المقبلة، خاصة أن تركيا، رغم امتلاكها قاعدة صناعية قوية، تعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الخام بالدولار.

وشدد على أن التحدي الرئيس أمام صناع القرار في تركيا يتمثل في تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم والحفاظ على وتيرة النمو، في ظل بيئة اقتصادية عالمية شديدة التقلب، مؤكداً أن استقرار العملة وتعزيز الصادرات سيظلان عنصرَين حاسمَين في إدارة المرحلة المقبلة.

المنشورات ذات الصلة