قد تكون "معركة" المواطن اللبناني للحصول على حقه في الكهرباء مساراً، بلا هدنة مؤقتة ولا حلّ شامل. فهذه المعاناة التي ترافقه، سواء في زمن السلم أو الحرب، تجعله في حالة ترقب دائم لحل يخرجه من سطوة أصحاب المولدات واستنزاف راتبه ومدخراته.
ويعد مشروع استجرار الكهرباء إلى لبنان أحد أبرز الخيارات المطروحة لتخفيف أزمة الطاقة، في ظل عجز الإنتاج المحلي والانقطاع شبه الكامل للتيار. ويقوم المشروع على استيراد الغاز من مصر عبر "الخط العربي" الذي يمر عبر سوريا والأردن وصولا إلى شمال لبنان، بما يتيح تشغيل معمل دير عمار بنحو 450 ميغاواط إضافية، إضافة إلى 450 ميغاواط من معمل الزهراني، وهو ما قد يؤمن نحو 8 ساعات إضافية من التغذية الكهربائية.
غير أن هذا المسار، يبقى محكوماً بشروط داخلية وإقليمية، بين إصلاحات يطالب بها البنك الدولي، وتعقيدات مرتبطة بدور الدول الإقليمية.
وفق تقديرات وزارة الطاقة والبنك الدولي، يمكن للمشروع أن يوفر ما بين 150 و250 ميغاواط من الكهرباء من الأردن، إضافة إلى نحو 400 إلى 450 ميغاواط عبر الغاز المصري لتشغيل معمل دير عمار. حيث يصل إجمالي القدرة المتوقعة إلى ما بين 600 و700 ميغاواط، في وقت تتجاوز فيه حاجة لبنان 3000 ميغاواط .
وتعكس هذه الأرقام فرقاً بين العرض والطلب، إذ لا يغطي المشروع، أكثر من ربع الاستهلاك المحلي، حيث تشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن التغذية قد ترتفع إلى ما بين 6 و10 ساعات يومياً كحد أقصى.
كما يعد الاستجرار خياراً أقل كلفة مقارنة بالبدائل المحلية، إذ تتراوح كلفة الكهرباء المستوردة من الأردن بين 10 و12 سنتا للكيلوواط/ساعة، فيما تتراوح كلفة الإنتاج عبر الغاز المصري بين 6 و8 سنتات، في مقابل تتراوح للمولدات الخاصة، بين 25 و 60 سنتا، بحسب تسعيرة شهر آذار الماضي. لكن هذه الجدوى تصطدم بعائق التمويل، حيث يقدّر التمويل المطلوب من البنك الدولي بما بين 200 و300 مليون دولار.
ويربط البنك الدولي موافقته على التمويل بحزمة إصلاحات تهدف إلى إعادة التوازن المالي والإداري للقطاع، في ظل الخسائر التي تعانيها مؤسسة كهرباء لبنان.
وتشمل هذه الإصلاحات تعديل التعرفة تدريجيا لتواكب كلفة الإنتاج، وربطها بأسعار الوقود وسعر الصرف، إضافة إلى تحسين الجباية ورفع معدلات التحصيل، وخفض الهدر التقني وغير التقني. كما يُعدّ تعيين الهيئة الناظمة للقطاع خطوة أساسية لتعزيز الشفافية.
لا يعد استجرار الغاز إلى لبنان مشروعا محليا فقط، بل يعيد تموضع دول التصدير والعبور لتكون فاعلة في مسارات الطاقة الإقليمية، ما يربط المشروع بالتغيرات السياسية في المنطقة.
فقد شكلت العقوبات الأميركية على النظام السوري السابق، لا سيما تلك المرتبطة بقانون "قيصر"، عائقا أساسيا أمام تنفيذه، بسبب المخاوف من تعرّض الأطراف المشاركة لإجراءات عقابية، كون الغاز يصل إلى لبنان عبر أراضيها. لكن مع رفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العقوبات عن الحكومة السورية الحالية، أصبح لبنان أمام فرصة مهمة لإعادة استكمال الإجراءات المطلوبة.
كما تسعى مصر إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للغاز في شرق المتوسط عبر توسيع صادراته، فيما يسعى الأردن على استثمار فائضه الكهربائي لتعزيز حضوره في مشاريع الربط الإقليمي.
تواجه الخطة تحديات تقنية تتعلق بضعف البنية التحتية، خصوصاً في سوريا، حيث تحتاج شبكات النقل إلى صيانة واسعة، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بـ"الخط العربي" نتيجة الاعمال العسكرية والمعارك التي جرت في سوريا خلال السنوات السابقة. كما تعاني الشبكة اللبنانية من محدودية قدرتها على استيعاب الإنتاج، في ظل مستويات مرتفعة من الهدر.
يتجاوز جوهر الأزمة مسألة تأمين مصادر الطاقة ليطال بنية القطاع وإدارته، فمشروع استجرار الكهرباء لا يعالج الخلل الاداري، ولا يضع حداً للعجز المالي بشكل نهائي، لكنه يبقى حلاً مرحلياً مرتبطاً بتنفيذ الإصلاحات الداخلية واستقرار التوازنات الإقليمية.
كما أن تداعيات التوترات الإقليمية الأخيرة، في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وما رافقها من اضطرابات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة العالمية، تظهر في نتائجها هشاشة الدول التي تعاني أصلا من أزمات بنيوية في قطاع الكهرباء مثل لبنان.